البنك المركزي الأميركي يثبت الفائدة منقسماً... ورئيسه الجديد يعيد رسم السياسة النقدية

مقر الاحتياطي الفيدرالي أو البنك المركزي الأميركي (إكس)
ثبت مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة دون تغيير للمرة الرابعة على التوالي اليوم الأربعاء، محافظاً على نطاق يتراوح بين 3.5% و3.75%، في قرار يعكس استمرار نهج الحذر في مواجهة تضخم لا يزال أعلى من المستهدف، وسط انقسام واضح بين صناع السياسة النقدية بشأن المسار المقبل.
وجاء القرار خلال أول اجتماع يرأسه الرئيس الجديد للاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش، الذي يواجه اختباراً مزدوجاً يتمثل في كبح التضخم المتصاعد من دون إضعاف النمو الاقتصادي، وفي الوقت نفسه إدارة التوازن الحساس مع الضغوط السياسية المتزايدة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب الداعية إلى خفض أسعار الفائدة، حسب بلومبيرغ.
وصوّت أعضاء اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة بالإجماع على تثبيت الفائدة ضمن النطاق الحالي، لكن التوقعات الاقتصادية المحدثة أظهرت تبايناً لافتاً، إذ رجّح تسعة مسؤولين تنفيذ رفع واحد على الأقل بمقدار ربع نقطة مئوية خلال العام الجاري، فيما توقع ستة منهم زيادتين، في حين رأى تسعة آخرون تثبيت الفائدة أو حتى خفضها لاحقاً.
وفي خطوة لافتة خلال مؤتمره الصحافي الأول، أعلن وورش عن إطلاق مراجعة شاملة لخمسة محاور رئيسية في عمل البنك المركزي الأميركي، تشمل: آليات التواصل، والميزانية العمومية، ومصادر البيانات، والإنتاجية والتوظيف، وأطر استهداف التضخم، مع تشكيل فرق عمل متخصصة لدراسة هذه الملفات.
وأثارت البيانات المرافقة للقرار تساؤلات إضافية، بعدما تبين أن 18 مسؤولاً فقط من أصل 19 قدموا توقعاتهم لأسعار الفائدة حتى نهاية 2026، ما عزز التكهنات بأن وورش امتنع عن تقديم توقعاته الخاصة، انسجاماً مع موقفه النقدي من سياسة "التوجيه المستقبلي".
وعقب القرار، شهدت الأسواق تحركات ملحوظة، إذ تراجعت سندات الخزانة الأميركية، وارتفع الدولار أمام العملات الرئيسية، وانخفضت الأسهم، في حين أكد الفيدرالي في بيانه أن التضخم لا يزال مرتفعاً، وأن أولوية السياسة النقدية هي تحقيق استقرار الأسعار، مع استمرار وصف النمو الاقتصادي بأنه "قوي"، مدعوماً بمتانة الإنتاجية والاستثمارات الرأسمالية.
ورفع الاحتياطي الفيدرالي توقعاته للتضخم خلال العام الجاري إلى 3.6% مقارنة بـ2.7% في تقديرات مارس، كما رفع توقعاته للتضخم الأساسي لعام 2026 إلى 3.3% مقابل 2.7% سابقاً. وفي المقابل، خفّض توقعاته لنمو الاقتصاد الأميركي إلى 2.2% بدلاً من 2.4%، فيما تحسنت توقعات البطالة بشكل طفيف إلى 4.3% مقارنة بـ4.4%.
وتعكس هذه التعديلات تحولاً واضحاً في المشهد الاقتصادي الأميركي، إذ كانت التوقعات في بداية العام تميل إلى احتمال خفض الفائدة خلال 2026، لكن قوة بيانات سوق العمل بدلت الصورة. فقد أضاف الاقتصاد وظائف في مايو بأكثر من المتوقع، بينما استقر معدل البطالة عند 4.3%.
وفي الوقت نفسه، ارتفع مؤشر التضخم المفضل لدى الفيدرالي إلى 3.8% على أساس سنوي، وهو أعلى مستوى منذ عام 2023، كما سجلت أسعار المستهلكين والمنتجين في مايو أسرع وتيرة ارتفاع منذ أكثر من ثلاث سنوات.
ويعزو خبراء هذا الارتفاع إلى عاملين رئيسيين: تداعيات الحرب الإيرانية الأميركية التي رفعت أسعار الطاقة، وموجة الاستثمارات الضخمة في قطاع الذكاء الاصطناعي وما رافقها من ضغوط على سلاسل الإنتاج والأسعار.
غير أن الأسواق تلقت بعض الارتياح بعد الإعلان عن اتفاق سلام أولي بين واشنطن وطهران، ما أدى إلى تراجع أسعار النفط وإمكانية تخفيف الضغوط التضخمية إذا استمر الاتفاق.
ويواجه رئيس الفيدرالي الجديد كيفن وورش ضغوطاً متزايدة لتقديم رسالة واضحة للأسواق حول مسار السياسة النقدية، في وقت تتقاطع فيه التوقعات مع رغبة الرئيس دونالد ترامب الداعية إلى خفض أسعار الفائدة.
وفي أسواق العملات والسندات، واصل الدولار مكاسبه أمام اليورو الذي تراجع 0.5% إلى 1.1553 دولار، بينما استقر الدولار أمام الين عند 160.435 يناً. كما ارتفع العائد على سندات الخزانة لأجل عامين بنحو 10 نقاط أساس إلى 4.15%، في إشارة إلى إعادة تسعير سريعة لمسار السياسة النقدية.
كما أظهرت بيانات الأسواق أن المتعاملين يسعرون حالياً احتمال خفض تراكمي بنحو 30 نقطة أساس بحلول ديسمبر، مقارنة بـ20 نقطة أساس قبل القرار، في حين اعتبر محللون أن انقسام اللجنة يعكس رسالة تشدد واضحة للأسواق.
وفي سياق متصل، أعلن مصرف قطر المركزي تثبيت أسعار الفائدة دون تغيير، حيث أبقى سعر الفائدة على الإيداع عند 3.85%، وسعر الإقراض عند 4.35%، وسعر إعادة الشراء عند 4.10%، متماشياً مع القرار الأميركي وتقييماته للسياسة النقدية.



