رويترز تحصي خسائر لبنان الهائلة من العدوان الإسرائيلي الحالي

تسبب العدوان الإسرائيلي الحالي على لبنان في خسائر بشرية ومادية غير مسبوقة، حيث قتل أكثر من 3700 شخص وأصيب أكثر من 11600، ونزح أكثر من 1.2 مليون مواطن.
بصفته ساحةً متكررة للاحتدام الإقليمي، دفع لبنان ثمناً باهظاً من العدوان الإسرائيلي الحالي الذي هزّ الشرق الأوسط، والذي نشأ عن غارات أميركية إسرائيلية على إيران منذ أكثر من ثلاثة أشهر. لقد تحمّل هذا البلد الصغير الجزء الأكبر من الخسائر البشرية والتدمير المادي، متجاوزاً بذلك جميع الأطراف الأخرى في هذا الفصل من النزاع، والذي يُتوقع أن ينتهي باتفاق بين واشنطن وطهران.
اندلعت شرارة الصراع داخل الأراضي اللبنانية في الثاني من مارس آذار، عندما أطلقت جماعة حزب الله، المدعومة من إيران، صواريخ باتجاه إسرائيل، مؤكدة دعمها لطهران. ردّت إسرائيل بحملة جوية وبرية مكثفة طالت مناطق واسعة في لبنان، لا سيما الجنوب وضاحية بيروت الجنوبية، مُخلّفةً وراءها دماراً واسع النطاق وأزمة نزوح غير مسبوقة.
تُظهر بيانات وزارة الصحة اللبنانية مدى المأساة الإنسانية التي حلت بالبلاد؛ فمنذ الثاني من مارس آذار وحتى ليلة الرابع عشر من يونيو حزيران، تاريخ إعلان الاتفاق الأميركي الإيراني، قُتل ما لا يقل عن 3,783 شخصاً وأصيب 11,699 آخرون. وتضم قائمة الضحايا 247 طفلاً و363 امرأة و133 عاملاً في القطاع الصحي. لم تفرّق أرقام الوزارة بين المدنيين والمقاتلين، ولم يُعلن حزب الله عن حصيلة مقاتليه. تتجاوز هذه الحصيلة الأرقام التي سجلتها إيران، والتي بلغت 3,468 قتيلاً بحلول أواخر أبريل نيسان، كما تفوق ضحايا الصراع السابق بين إسرائيل وحزب الله الذي دار بين أكتوبر تشرين الأول 2023 ونوفمبر تشرين الثاني 2024، والذي أسفر عن مقتل 3,768 شخصاً. في المقابل، تشير إحصاءات رويترز، استناداً إلى بيانات الجيش الإسرائيلي، إلى مقتل 28 جندياً إسرائيلياً وأربعة مدنيين إسرائيليين في لبنان جراء هجمات حزب الله، مقارنة بـ73 جندياً و45 مدنياً إسرائيلياً في حرب 2023-2024.
أما على صعيد الدمار المادي، فقد لحقت أضرار جسيمة بالبنى التحتية والمباني في جميع أنحاء لبنان جراء الغارات الجوية الإسرائيلية، وتمركزت معظم هذه الأضرار في الجنوب، لكنها طالت أيضاً العاصمة وضاحيتها الجنوبية. ذكرت القوات الإسرائيلية، التي احتلت مناطق في الجنوب، أنها دمرت عشرات القرى لحماية سكان الشمال الإسرائيلي من مقاتلي حزب الله. وفي الشهر الأول من الحرب، تعرضت مستشفيات ومحطات توليد كهرباء ومحطات ضخ مياه في الجنوب لأضرار بالغة. تشير أحدث البيانات الصادرة عن المجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان، للفترة من الثاني من مارس آذار حتى 17 أيار/مايو، إلى تضرر أو تدمير أكثر من 68 ألف وحدة سكنية في جميع أنحاء البلاد، منها قرابة 30 ألف وحدة في المناطق الجنوبية الثلاث، وأكثر من ثمانية آلاف في بيروت وضاحيتها الجنوبية. وقدّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تقرير له هذا الشهر قيمة الأضرار في بيروت وضاحيتها الجنوبية وحدها بـ365 مليون دولار. وانتقد الرئيس الأميركي دونالد ترامب تدمير إسرائيل للمباني وما تسببت فيه من خسائر بشرية، مشدداً في قمة مجموعة السبع بفرنسا، بحسب ما أوردت رويترز، أنه "ليس من الضروري هدم مبنى سكني في كل مرة تبحثون فيها عن شخص ما، لأن هناك الكثير من الناس في تلك المباني، وليس جميعهم من حزب الله، هذا ما أؤكده لكم".
بالتوازي مع الخسائر البشرية والمادية، شهد لبنان موجة نزوح جماعي غير مسبوقة، حيث أشارت السلطات اللبنانية إلى نزوح أكثر من 1.2 مليون شخص منذ الثاني من آذار/مارس، جراء الغارات الجوية الإسرائيلية وتحذيرات الإجلاء. وقد فر مئات الآلاف من الضاحية الجنوبية لبيروت، وهي منطقة أمر الجيش الإسرائيلي بإخلائها بالكامل للمرة الأولى في هذه الحرب. وحتى بعد إعلان الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، لم يتمكن الكثير من النازحين من العودة إلى ديارهم، إما لعدم وجود منازل يعودون إليها أو لغياب الثقة في استمرار وقف إطلاق النار في لبنان.
على الصعيد الاقتصادي، لم تُقيّم السلطات اللبنانية بعد الحجم الكامل لأثر الحرب، لكنها أكدت أنها أعاقت تعافي البلاد من سلسلة من الأزمات المتتالية، بما في ذلك حرب 2023-2024 وانفجار مرفأ بيروت عام 2020 والانهيار المالي عام 2019. وصرح وزير المالية ياسين جابر لرويترز في مايو أيار بأن الحرب قد تؤدي إلى انكماش الاقتصاد اللبناني بنسبة لا تقل عن سبعة بالمئة هذا العام. من جانبه، أشار البنك الدولي إلى أن حرب 2024 كلفت لبنان ما لا يقل عن 8.5 مليار دولار من الأضرار المادية والخسائر الاقتصادية، مما أسفر عن انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 7.1 بالمئة في 2024، وتدهور تراكمي بنحو 40 بالمئة منذ عام 2019.
يقع لبنان، بحكم موقعه الجغرافي، في قلب منطقة تعج بالتوترات، مما يجعله عرضة بشكل متكرر لتبعات الصراعات الإقليمية التي تتجاوز حدوده. لم تكن هذه الحرب استثناءً، فقد فاقمت من الأوضاع الهشة التي يعيشها البلد، وأضافت طبقة جديدة من التحديات فوق الأزمات المتراكمة، مؤكدة على هشاشة استقراره والحاجة الماسة إلى حلول دائمة تنهي دورة العنف التي تترك آثاراً عميقة على نسيجه الاجتماعي والاقتصادي.



