بريطانيا تطلق خطة لتعزيز الصحة النفسية لعمال البناء وسط ارتفاع معدلات الخمول الاقتصادي والانتحار

تعمل وزارة الأعمال والتجارة في المملكة المتحدة على إطلاق مدونة ممارسات جديدة تهدف إلى تحسين الصحة النفسية في قطاع البناء، في إطار جهود حكومية لمعالجة أزمة متفاقمة في سوق العمل ترتبط بارتفاع معدلات الخمول الاقتصادي والاضطرابات النفسية.
وبحسب وكالة بلومبيرغ، تنصّ المدونة المقترحة، التي أُعدّت بالتعاون مع قادة من القطاع الخاص، على ضرورة أن يقدّم مقدّمو العطاءات في قطاع المشتريات العامة خططًا توضح كيفية إدارتهم لمخاطر الصحة النفسية، إضافة إلى تضمين العقود جداول زمنية واقعية وآمنة للمشاريع، بما يقلّل من الضغوط على العمال ويحسّن بيئة العمل.
ويأتي هذا التوجه في وقت يبلغ فيه معدل الخمول الاقتصادي في بريطانيا نحو 20% من السكان في سن العمل، وفق بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية، حيث يعزو نحو ثلث هؤلاء عدم انخراطهم في سوق العمل إلى المرض طويل الأمد. وتشير تقديرات حكومية إلى أن الارتفاع الحاد في هذه النسبة يعود بشكل كبير إلى تزايد حالات القلق والاكتئاب وغيرها من الاضطرابات النفسية، رغم عدم توفر بيانات تفصيلية رسمية حول أنواع الأمراض.
كما تُظهر البيانات أن 13.5% من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و24 عامًا كانوا خارج التعليم أو العمل أو التدريب خلال الربع الأول من العام الجاري، وهو أعلى مستوى منذ عام 2013، مع تحذيرات من تفاقم تأثيرات الصحة النفسية بين الفئات الشابة.
وتعطي الحكومة أولوية خاصة لقطاع البناء في هذه المبادرة، بسبب ارتفاع معدلات الانتحار بين العاملين فيه، حيث سُجّل انتحار أكثر من 500 عامل في القطاع خلال عام 2024، فيما يُقدَّر أن احتمالية وفاة الرجال العاملين في البناء بسبب الانتحار أعلى بنحو ثلاثة أضعاف مقارنة بغيرهم من القطاعات.
وقال وزير الصناعة كريس ماكدونالد في تصريح لبلومبيرغ إن لهذه المشكلات "تأثيرًا اقتصاديًا شديدًا على الأعمال"، مشيرًا إلى أنه خلال عمله السابق في قطاعي البناء والصلب شهد حالات لعمال يواصلون العمل رغم معاناتهم النفسية، قبل أن تتفاقم أوضاعهم إلى أزمات حادة تؤدي أحيانًا إلى فقدان الوظيفة وتداعيات عائلية خطيرة. وأضاف ماكدونالد أن بعض الحالات "لم تتعافَ أبدًا" بعد تلك التجارب.
وفي السياق السياسي، يواجه رئيس الوزراء كير ستارمر ضغوطًا متزايدة لخفض فاتورة الرعاية الاجتماعية المتنامية، خصوصًا ما يتعلق بإعانات الإعاقة المخصصة لمن يُعتبرون غير قادرين على العمل لأسباب نفسية.
وقد عاد هذا الملف إلى الواجهة مؤخرًا مع نقاشات سياسية حول أولوية الإنفاق بين الدفاع والرعاية الاجتماعية، في وقت شهدت فيه الحكومة اضطرابات سياسية إضافية عقب استقالة وزير الدفاع جون هيلي بسبب خلافات تتعلق بميزانية الدفاع.
شهدت بريطانيا خلال السنوات الأخيرة تحوّلًا تدريجيًا في طبيعة التحديات المرتبطة بسوق العمل، حيث لم يعد نقص الوظائف هو المشكلة الأساسية، بل تزايد عدد الأشخاص الذين يغادرون سوق العمل لأسباب صحية أو اجتماعية معقّدة. ويُنظر إلى هذا التحول باعتباره نتيجة تداخل عوامل اقتصادية بعد الجائحة مع تغيّرات في أنماط العمل ومستويات الضغط المهني.
وفي الوقت نفسه، يواجه قطاع البناء خصوصًا تحديات هيكلية تتعلق بطبيعة تنظيم العمل وسلاسل التوريد المعقدة، إضافة إلى اعتماد واسع على عقود قصيرة الأجل ومشاريع مرتبطة بمهل زمنية صارمة، ما يجعل العاملين فيه أكثر عرضة للضغط المهني المستمر مقارنة بقطاعات أخرى.
كما بدأت الحكومة البريطانية في السنوات الأخيرة بإعادة تقييم أدواتها التنظيمية في سوق العمل، مع توجّه متزايد نحو إدخال معايير غير تقليدية في العقود العامة، تشمل عوامل الصحة النفسية ورفاهية العاملين، في محاولة للانتقال من معالجة النتائج إلى معالجة الأسباب البنيوية.



