Contact Us
Ektisadi.com
أسواق

الحكومات الأوروبية تلجأ إلى أسواق السندات بوتيرة قياسية مع ارتفاع الإنفاق وتزايد العجز

10 يونيو 2026 | 05:53 م
الحكومات-الأوروبية-تلجأ-إلى-أسواق-السندات-بوتيرة-قياسية-مع-ارتفاع-الإنفاق-وتزايد-العجز.jpg

تشهد أسواق الدَّين العالمية موجة اقتراض حكومي غير مسبوقة، مع ارتفاع الإنفاق العام وتفاقم العجز، في وقت تتزايد فيه الضغوط المرتبطة بالدفاع والطاقة وإعادة تمويل ديون حقبة جائحة كورونا.

وبحسب بيانات جمعتها بلومبيرغ، باعت الجهات السيادية سندات بقيمة 504 مليارات دولار منذ بداية العام، وهو مستوى يفوق الفترة نفسها من عام 2020، عندما لجأت الدول إلى الاقتراض المكثّف لدعم اقتصاداتها خلال جائحة كوفيد-19.

وتأتي هذه الطّفرة في ظلّ اتساع العجز في الموازنات العامة منذ الأزمة المالية العالمية، وبلوغه مستويات أعلى خلال الجائحة، قبل أن يعود للارتفاع مجدّدًا نتيجة زيادة الإنفاق الدفاعي، ومحاولات الحكومات امتصاص صدمات الأسعار الناجمة عن التوترات الجيوسياسية المرتبطة بالحرب في الخليج الفارسي، إضافة إلى الضغوط الناتجة عن شيخوخة السكان وارتفاع أسعار الفائدة.

وقال محللون إنّ "الزيادة الكبيرة في المعروض تعكس أساسًا ارتفاع الإنفاق العام وازدياد احتياجات التمويل"، مشيرين إلى توسع الحكومات في تمويل قطاعات الدفاع والبنية التحتية ومشاريع التحول نحو الطاقة النظيفة.

وتتجه دول أوروبية كبرى، بينها ألمانيا، إلى تخصيص مئات المليارات من اليورو للإنفاق العسكري، فيما خفف الاتحاد الأوروبي بعض قواعده المالية لإتاحة مزيد من الإنفاق على الدفاع ومشاريع الطاقة.

ورغم أن عمليات الاكتتابات المجمّعة لا تمثل سوى جزء من إجمالي إصدارات الديون الحكومية مقارنة بالمزادات التقليدية، فإنها تحظى بانتشار واسع في أوروبا، حيث تفضّلها بعض الحكومات لمرونتها في توقيت الإصدار وتقليل مخاطر تقلّبات السوق.

إيطاليا في الصدارة وأوروبا تعزّز الإصدارات

تصدّرت إيطاليا مجددًا قائمة أكبر المقترضين في سوق الإصدارات السيادية المجمّعة، بعد أن جمعت نحو 70 مليار يورو (81 مليار دولار) خلال النصف الأول من عام 2026، وفق بيانات بلومبيرغ، محافظة على موقعها التاريخي كأكبر مصدّر في هذا السوق في ثمانية من أصل عشرة أعوام.

وسجلت ألمانيا 14 مليار يورو عبر ثلاث عمليات إصدار منذ بداية العام، بعد تعديل قواعدها المالية لزيادة الإنفاق على الدفاع والبنية التحتية، فيما نفّذت كل من المملكة المتحدة وبلجيكا وصربيا أكبر إصدارات لها على الإطلاق. كما برزت أستراليا والمكسيك ضمن أكبر عشرة مصدّرين هذا العام.

وتستفيد الحكومات من استمرار الطلب القوي، خصوصًا على السندات قصيرة الأجل، في وقت تسعى فيه إلى إعادة تمويل استحقاقات قائمة وتمويل إنفاق مرتفع، رغم الضبابية التي تكتنف مسار أسعار الفائدة.

وقال مدير محافظ في شركة توينتي فور لإدارة الأصول، إنّ الحكومات "تستغل نافذة الأسواق المستقرّة والراغبة في الشراء".

ارتفاع العوائد وتزايد تكاليف الاقتراض

شهدت أسواق السندات ارتفاعًا في العوائد إلى مستويات قريبة من أعلى مستوياتها خلال العقد الأخير، مع تصاعد المخاوف التضخمية المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية في الخليج الفارسي، ما أدّى إلى تراجع توقعات النمو العالمي وإعادة تسعير مسار أسعار الفائدة.

ومن المتوقع أن يرفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة للمرة الأولى منذ 2023 خلال الأسبوع الجاري، في حين يُرجّح أن يواصل الاحتياطي الفيدرالي الأميركي تشديد سياسته النقدية لاحقًا هذا العام، مع بقاء المسار المستقبلي غير واضح.

وفي هذا السياق، سجلت مزادات الخزانة الأميركية تقلّبات مرتفعة في آذار/ مارس الماضي، دون أن تظهر مؤشرات على تراجع شهية المستثمرين، رغم مطالبتهم بعوائد أعلى. فقد سجّل مزاد سندات لأجل 30 عامًا في أيار/مايو عائدًا يفوق 5% لأول مرة منذ 2007، بينما شهد إصدار بريطاني في أبريل طلبات قياسية مدفوعة بعوائد هي الأعلى منذ 2008، وفقًا لبلومبيرغ.

إعادة تمويل ديون الجائحة تدفع الإصدارات

تتسارع وتيرة الإصدارات أيضًا بفعل ارتفاع عمليات استحقاق السندات الصادرة خلال فترة الجائحة، ما يفرض على الحكومات إعادة التمويل بوتيرة أعلى من المعتاد.

وتشير بيانات شركة ناتيكسيس إس إيه (Natixis SA) إلى أنّ عمليات إعادة التمويل في منطقة اليورو ارتفعت بنسبة 26% في 2026، متجاوزة نمو الإصدارات الإجمالي البالغ 11%.

وقال استراتيجيون في ناتكسيس إن هذا الفارق يعكس أن الطفرة في الإصدارات مدفوعة أساسًا بإعادة التمويل، وليس بمحاولات استباقية لارتفاع محتمل في أسعار الفائدة، رغم وجود بعض المؤشرات على قيام بعض الحكومات بتثبيت تكاليف الاقتراض مبكرًا.

وفي أيار/مايو، تراجعت الاستحقاقات سنويًا، في حين ارتفع حجم الإصدارات المجمّعة من 32 مليار يورو (36 مليار و800 مليون دولار) إلى 45 مليار يورو (51 مليار و750 مليون دولار)، ما يشير إلى تسريع جزئي في عمليات الطرح.

نشاط متواصل في النصف الثاني من العام

ويتوقّع محلّلون أن تعتمد وتيرة الإصدارات خلال النصف الثاني من العام على قرارات البنوك المركزية بشأن أسعار الفائدة، في وقتٍ بدأت فيه بعض الدول الأوروبية طرح سنداتها مبكرًا قبل تباطؤ النشاط خلال فصل الصيف.

وتستعدّ اليونان لطرح سندات جديدة يوم الأربعاء عبر إعادة فتح إصدار يستحق في 2036، فيما يُتوقّع أن تنضمّ السويد بطرح سندات لأجل ثلاث سنوات باليورو، بحسب ما أفادت وكالة بلومبيرغ.

وقال مدير عالمي لأسعار الفائدة في شركة إنسايت إنفستمنت، إنّ "هناك كميات كبيرة من الديون السيادية في منطقة اليورو ما زالت ستُطرح في السوق خلال النصف الثاني من العام".

يأتي هذا الارتفاع في إصدارات الديون السيادية في ظل انتقال الاقتصاد العالمي من مرحلة "المال الرخيص" التي أعقبت الأزمة المالية وجائحة كوفيد-19 إلى بيئة تتسم بارتفاع أسعار الفائدة وتشديد السياسات النقدية، ما زاد كلفة خدمة الدين ودفع الحكومات إلى تسريع الاقتراض.

كما أسهمت التوترات الجيوسياسية وارتفاع الإنفاق الدفاعي والطاقة، إلى جانب استحقاقات ديون الجائحة، في تعزيز احتياجات التمويل، ما يرجّح استمرار وتيرة الاقتراض المرتفعة في المدى القريب.