Contact Us
Ektisadi.com
اقتصاد

لبنان ما بعد الحرب في ندوة للنادي الثقافي العربي: أزمة دولة أم فرصة لإعادة التأسيس؟

9 يونيو 2026 | 07:46 م
مبانٍ مدمرة ai

فيما يرزح لبنان تحت وطأة تداعيات حرب جديدة عمّقت جراح أزماته الاقتصادية والمالية والسياسية، تتصاعد الأسئلة حول شكل المرحلة المقبلة وقدرة الدولة على تجاوز إرث الانهيار والحروب المتلاحقة. وبينما تتزايد كلفة إعادة الإعمار وتتراجع المؤشرات الاقتصادية، يرى مفكرون وأكاديميون أن التحدي الحقيقي لا يقتصر على معالجة آثار الدمار، بل يتصل بإعادة بناء الدولة واستعادة قدرتها على اتخاذ القرار ومواجهة الأزمات قبل أن تتحول إلى وقائع دائمة.

هذه القضايا كانت محور ندوة فكرية نظمها النادي الثقافي العربي في الرابع من حزيران/يونيو الجاري تحت عنوان "لبنان ما بعد الحرب: التحديات والخيارات"، حيث ناقش المشاركون الأبعاد السياسية والفكرية والاقتصادية للمرحلة المقبلة، في ظل استمرار حالة عدم اليقين التي يعيشها البلد.

واعتبر الكاتب والباحث سام منسى أن الحديث عن مرحلة "ما بعد الحرب" لا يزال سابقاً لأوانه، لأن لبنان، بحسب تعبيره، لا يزال يعيش في قلب المأزق نفسه الذي أنتج الانهيارات المتراكمة خلال السنوات الماضية. ورأى أن التحديات المطروحة اليوم تتجاوز مسألة إعادة الإعمار المادي لتطال طبيعة النظام السياسي وآليات عمله، مشيراً إلى أن المنظومة السياسية الحالية تبدو عاجزة عن إطلاق مسار إصلاحي حقيقي أو إدارة عملية إعادة البناء، لأنها لم تحسم بعد خيار الانتقال إلى دولة المؤسسات والقانون.

من جهته، قدّم الباحث والأكاديمي الدكتور وجيه قانصو قراءة فكرية للأزمة اللبنانية، معتبراً أن أحد الأسباب العميقة لاستمرارها يتمثل في ما وصفه بـ"عقل الإرجاء والتأجيل" الذي يحكم أداء الدولة. وأوضح أن السلطة اعتادت تأجيل معالجة الأزمات بدل مواجهتها، وعندما تعجز عن إيجاد حلول لها تتكيف معها إلى أن تتحول تدريجياً إلى جزء من الواقع القائم، فتغدو الاستثناءات قواعد والأزمات بنية دائمة يصعب تفكيكها.

أما الباحث والمحلل السياسي نديم شحادة فركّز على المخارج الممكنة من الأزمة، معتبراً أن أي مشروع إنقاذي لا يمكن أن ينجح من دون إعادة الاعتبار للحوار الوطني والتفاهم بين مختلف المكونات اللبنانية. وشدد على أن الأولوية يجب أن تكون لمعالجة المشكلات الداخلية وتفعيل مؤسسات الدولة وإعادة انتظام الحياة العامة، مؤكداً أن النظام اللبناني، رغم ما يواجهه من انتقادات، لا يمثل جوهر الأزمة بقدر ما يشكل إطاراً يسمح بالتعايش بين القوى السياسية والفكرية المتباينة، إذا ما توافرت الإرادة السياسية اللازمة لتفعيله.

وتكتسب هذه النقاشات أهمية مضاعفة في ضوء الواقع الاقتصادي المتدهور الذي يواجهه لبنان بعد سنوات من الانهيار المالي والنقدي والحروب المتعاقبة. فبعد انكماش الاقتصاد اللبناني بنحو 5 في المئة خلال عام 2024 نتيجة الحرب وتداعياتها، وخسارة ما يقارب 150 ألف فرصة عمل، جاءت حرب عام 2026 لتضيف أعباء جديدة على الاقتصاد الوطني وتفاقم الضغوط المعيشية على المواطنين والمؤسسات.

وتشير التقديرات الأولية إلى حجم واسع من الأضرار التي لحقت بالقطاع الخاص. فبحسب الباحث في "الدولية للمعلومات" محمد شمس الدين في تصريح خاص لموقع "المدن"، دُمّرت نحو 4317 مؤسسة بشكل كامل، فيما تعرضت نحو 2160 مؤسسة لأضرار جزئية، وأصيبت قرابة 8650 مؤسسة بأضرار طفيفة، تركزت بمعظمها في الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت. وتشكل المؤسسات التجارية النسبة الأكبر من المنشآت المتضررة، ما ينذر بانعكاسات مباشرة على النشاط الاقتصادي وفرص العمل وحركة الأسواق.

وفي موازاة الخسائر المادية، تتزايد المخاوف من تداعيات الحرب على النمو الاقتصادي والاستقرار المالي. فقد توقع وزير المالية ياسين جابر، في حديث لوكالة "رويترز"، أن يؤدي استمرار تداعيات الحرب إلى انكماش الاقتصاد اللبناني خلال العام الحالي بنسبة تتراوح بين 7 و10 في المئة، مقدّراً الكلفة الإجمالية للحرب بنحو 20 مليار دولار، وهو رقم يعكس حجم التحديات التي ستواجهها أي خطة مستقبلية لإعادة الإعمار.

وأشار جابر إلى أن لبنان يعتمد بصورة متزايدة على القروض في تمويل احتياجاته، في ظل تراجع المنح الخارجية وانخفاض إيرادات الدولة. ورغم الصورة القاتمة للاقتصاد، اعتبر أن قدرة الحكومة على الحفاظ على استقرار سعر صرف الليرة اللبنانية أمام الدولار تمثل إحدى النقاط الإيجابية القليلة في المشهد الاقتصادي الراهن.

وفي ظل هذه المعطيات، تبدو المرحلة المقبلة أكثر تعقيداً من مجرد إعادة إعمار ما هدمته الحرب، إذ تفرض تحديات تتعلق بإعادة بناء الثقة بالدولة، واستعادة فاعلية المؤسسات، وإطلاق إصلاحات اقتصادية وإدارية طال انتظارها. وبينما تتباين الرؤى حول سبل الخروج من الأزمة، يجمع معظم المراقبين على أن نجاح أي مشروع للنهوض سيبقى رهناً بقدرة اللبنانيين على إنتاج تسوية داخلية تضع حداً لمنطق التأجيل، وتؤسس لمرحلة جديدة عنوانها الإصلاح والاستقرار والتنمية المستدامة.