Contact Us
Ektisadi.com
اقتصاد

أزمة ستارمر تعيد ضرائب الثروة إلى دائرة الجدل في بريطانيا

25 مايو 2026 | 06:00 م
كير ستارمر

أعادت أزمة القيادة المحيطة برئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر ملف ضرائب الثروة إلى واجهة النقاش السياسي في بريطانيا، مع تصاعد الدعوات داخل الجناح اليساري في حزب العمال الحاكم لزيادة الضرائب على الثروة وأرباح رأس المال بهدف تعزيز إيرادات الدولة، بحسب تقرير لوكالة بلومبيرغ.

ويقود آندي بورنهام الدعوات لإعادة توزيع العبء الضريبي، إذ قال إنّ بريطانيا "أفرطت في فرض الضرائب على العمل ولم تفرض ما يكفي على الثروة" ، مقترحاً خلال إطلاق حملته الرسمية الأسبوع الماضي زيادة الضرائب على الأراضي.

أما منافسه المحتمل ويس ستريتينغ، الذي يُنظر إليه باعتباره خيارًا أكثر اعتدالًا، فقد دعا إلى ضريبة ثروة فعّالة، وتعهّد برفع ضريبة أرباح رأس المال إلى مستوى يماثل على الأقل الضرائب المفروضة على دخل العمل.

وتحظى خطة مواءمة ضرائب أرباح رأس المال مع ضرائب الدخل بدعم سياسي متزايد، بعدما تبناها حزب الديمقراطيين الأحرار في حملتهم الانتخابية عام 2024، وانضم إليهم لاحقًا حزب الخضر(GP). ويرى مؤيدو الخطة أنها قد تدرّ ما يصل إلى 10 مليارات جنيه إسترليني سنويًّا (13.5 مليار دولار أميركي)، إلى جانب الحدّ من الثغرات والاختلالات في النظام الضريبي.

لكن التقرير الذي نشرته بلومبيرغ يشير إلى أن فرض الضرائب على الثروة ليس بهذه السهولة، نظراً لأن دافعي ضرائب أرباح رأس المال يمكنهم اختيار توقيت بيع الأصول وجني الأرباح، ما يجعل الإيرادات شديدة التقلب.

ويعتقد ويس ستريتينغ، استنادًا إلى أبحاث صادرة عن مركز تحليل الضرائب، أنّ هذه الخطوة قد توفّر نحو 12 مليار جنيه إسترليني سنويًّا (16.2 مليار دولار أميركي) ، في حين قدّر الديمقراطيون الأحرار العائدات المتوقعة بنحو 5.2 مليارات جنيه فقط (7.02 مليار دولار أميركي).

في المقابل، ترى هيئة الضرائب البريطانية إتش إم ريفينيو آند كاستمز (HM Revenue & Customs) أنّ رفع معدلات الضريبة بمقدار 10 نقاط مئوية قد يكلّف الخزانة أكثر من 6 مليارات جنيه (8.1 مليار دولار أميركي) خلال ثلاث سنوات، بسبب إحجام المستثمرين عن بيع أصولهم لتجنّب الضرائب.

وأدى رفع وزيرة المالية رايتشل ريفز ضريبة أرباح رأس المال في ميزانية تشرين الأول/ أكتوبر 2024، إلى قفزة قياسية في الإيرادات بلغت 24.3 مليار جنيه (32.8 مليار دولار أميركي) خلال العام المالي 2025-2026، مقارنة بـ13.7 مليار جنيه ( 18.5 مليار دولار أميركي) في العام السابق.

غير أنّ مكتب مسؤولية الموازنة أوضح أن الزيادة تعود أساسًا إلى تسارع المستثمرين في بيع أصولهم قبل دخول الزيادات الضريبية حيّز التنفيذ.

وسجّل كانون الثاني/ يناير الماضي وحده إيرادات ضريبية بلغت 18.9 مليار جنيه (25.5 مليار دولار أميركي)، أي أعلى بنحو 8 مليارات جنيه (10.8 مليار دولار أميركي) من أي شهر يناير سابق، بعدما دفع المستثمرون الضرائب المستحقّة على الأرباح التي حقّقوها قبل الميزانية.

وقالت رايتشل غريفين من شركة كويلتر (Quilter)، إن المستثمرين "عجّلوا بعمليات بيع الأصول والتخارج منها"، متوقعة أن تتباطأ الإيرادات لاحقًا مع تكيّف المستثمرين مع المعدّلات الضريبية الأعلى.

ووفق التقرير، قد يفضّل الأثرياء الاحتفاظ باستثماراتهم وعقاراتهم انتظارًا لاحتمال عودة حكومة أكثر محافظة بعد انتخابات 2029 وإلغاء هذه السياسات. ويتصدر حزب ريفورم يو كيه (Reform UK) بقيادة نايجل فاراج استطلاعات الرأي، وهو يعارض رفع ضرائب أرباح رأس المال، شأنه شأن حزب المحافظين.

ويعود تصاعد الجدل الضريبي إلى هشاشة المالية العامة البريطانية، في ظل اقتراب الدين العام من 100% من الناتج المحلي الإجمالي، وخشية الحكومة من تكرار اضطرابات سوق السندات التي شهدتها البلاد خلال ولاية رئيسة الوزراء السابقة ليز تراس.

ورغم ذلك، تبدو الحكومة متردّدة في فرض زيادات ضريبية إضافية. وقالت رايتشل ريفز الشهر الماضي في واشنطن، إن ميزانيتيها "رفعتا الضرائب بشكل كبير"، مضيفةً أنّها "تفضّل عدم الاضطرار إلى القيام بذلك مجدّدًا".

ويُعدّ العبء الضريبي في بريطانيا حاليًّا الأعلى منذ الحرب العالمية الثانية، بينما يرى معهد الشؤون الاقتصادية أنّ المملكة المتحدة تجمع بالفعل إيرادات من الضرائب المرتبطة بالثروة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي أكثر من أي دولة أخرى في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD).

ويدعو آندي بورنهام إلى استخدام الضرائب على الثروة لتمويل الإسكان الاجتماعي، وتعزيز سيطرة الدولة على الخدمات المحلية، وخفض الضرائب على أصحاب الدخل المحدود. كما تقترح مجموعة «نمو العمال» الداعمة لويس ستريتينغ استخدام عائدات رفع ضرائب أرباح رأس المال لخفض ضرائب الرواتب بمقدار نقطتين مئويتين.

لكن بريطانيا بدأت بالفعل تخسر بعض الأثرياء لصالح أنظمة ضريبية أقل تشدّدًا، مثل ميلانو في إيطاليا ودول الشرق الأوسط، فيما كان بعض المغادرين يدفعون ملايين الجنيهات سنويًّا كضرائب، ما قد يزيد العبء على دافعي الضرائب العاديين.

وأشار التقرير إلى أن الحكومة رفعت بالفعل الضرائب على غير المقيمين، وأرباح رأس المال، وصناديق الاستثمار الخاصة، ومُلّاك المزارع، كما فرضت ضريبة القيمة المضافة على رسوم المدارس الخاصة، ما يعكس الطابع التصاعدي للنظام الضريبي البريطاني.

كما كشف تحليل لصحيفة فايننشال تايمز أن أصحاب المداخيل الأعلى في بريطانيا يدفعون ضرائب مماثلة لتلك المفروضة في الدنمارك والنرويج، بينما يدفع المواطن البريطاني العادي ضرائب أقل من نظيره الأميركي.

ويخطط ويس ستريتينغ أيضًا لسدّ الثغرات التي تسمح للعاملين لحسابهم الخاص، وأصحاب العقارات، والمستقلين بالحصول على مداخيلهم عبر توزيعات أرباح وأرباح رأسمالية منخفضة الضرائب.

في المقابل، حذر وزير المالية في حكومة الظل المحافظة ميل سترايد من أن فرض ضرائب تصل إلى 45% على الاستثمار وريادة الأعمال "لن يدعم النمو الاقتصادي، بل سيدفع الثروات والشركات والوظائف إلى مغادرة بريطانيا".

ولا يقتصر النقاش على ضرائب أرباح رأس المال، إذ اقترح آندي بورنهام إعادة تقييم نظام ضرائب المجالس المحلية بما يعكس ارتفاع أسعار العقارات منذ آخر تقييم في 1993، ما يعني تحميل المنازل الأعلى قيمة، خصوصاً في لندن، عبئًا ضريبيًّا أكبر. كما طرح فكرة زيادة ضريبة الميراث ورفع أعلى شريحة لضريبة الدخل إلى 50% بدلًا من 45%.

وفي تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، أعلنت رايتشل ريفز فرض رسم إضافي على العقارات التي تتجاوز قيمتها مليوني جنيه إسترليني (2.7 مليون دولار أميركي) اعتبارًا من 2028، إضافة إلى خفض الإعفاءات الضريبية على بعض الأسهم.

كذلك دعا كل من أنجيلا راينر ولويز هيغ إلى فرض ضرائب أعلى على البنوك، معتبرين أنها حققت أرباحًا استثنائية نتيجة ارتفاع أسعار الفائدة.

واقترحت أنجيلا راينر، وفق وثيقة مسرّبة العام الماضي، زيادة ضريبة الشركات على البنوك بنحو 700 مليون جنيه (945 مليون دولار أميركي)، بينما تدعو لويز هيغ إلى فرض ضريبة استثنائية على الأرباح الناتجة عن برنامج التيسير الكمي الذي أطلقه بنك إنجلترا.

وقدّر معهد أبحاث السياسات العامة أنّ هذه الخطوة قد توفر نحو 32 مليار جنيه (43.2 مليار دولار أميركي) خلال خمس سنوات، مشيرًا إلى أن رئيسة الوزراء السابقة مارغريت تاتشر فرضت ضريبة مشابهة على أرباح البنوك عام 1981.

ويعكس اتساع المقترحات الضريبية حجم الضغوط التي تواجهها الحكومة البريطانية بين الحاجة إلى تعزيز الإيرادات والحفاظ على جاذبية الاقتصاد للاستثمار.