من السيارات إلى السلاح... 6 أسباب تدفع أوروبا لاستنفار مصانعها المدنية للحرب

تعيش أوروبا تحولاً غير مسبوق في نظرتها إلى الأمن والدفاع، بعدما دفعت الحرب في أوكرانيا الحكومات الأوروبية إلى إعادة تقييم قدراتها العسكرية والصناعية. فبعد عقود من التركيز على الاقتصاد المدني وتقليص الإنفاق الدفاعي، بدأت دول أوروبية في استدعاء مصانع السيارات والمعادن والإلكترونيات وحتى شركات التكنولوجيا للمشاركة في إنتاج الأسلحة والذخائر والمعدات العسكرية.
هذا التحول لا يرتبط فقط بالحرب الدائرة شرق القارة، بل أيضاً بتزايد القناعة داخل العواصم الأوروبية بأن العالم دخل مرحلة أكثر اضطراباً، وأن القارة لم تعد قادرة على الاعتماد الكامل على المظلة الأمنية الأميركية كما كان الحال منذ نهاية الحرب الباردة.
1- الحرب الأوكرانية استنزفت المخزون العسكري الأوروبي
منذ اندلاع الحرب الروسية ـ الأوكرانية، ضخت الدول الأوروبية كميات ضخمة من الأسلحة والذخائر لصالح كييف، شملت صواريخ دفاع جوي وقذائف مدفعية ودبابات وأنظمة متطورة. لكن هذا الدعم كشف فجوة كبيرة داخل الجيوش الأوروبية نفسها، إذ تراجعت مخزوناتها إلى مستويات أثارت قلقاً متزايداً لدى القيادات العسكرية.
وأظهرت الحرب أن الجيوش الأوروبية لا تملك احتياطيات تكفي لحروب طويلة أو واسعة النطاق، بعدما بُنيت استراتيجياتها خلال العقود الماضية على افتراض أن الحروب الكبرى في أوروبا أصبحت شبه مستحيلة. لذلك باتت الحكومات تبحث عن توسيع سريع للقدرات الإنتاجية، وهو ما دفعها إلى الاستعانة بالمصانع المدنية لتعويض النقص المتزايد في الذخائر والمعدات.
2- مصانع السلاح التقليدية غير قادرة على تلبية الطلب
تعتمد الصناعات الدفاعية الأوروبية منذ سنوات على إنتاج محدود نسبياً يتناسب مع فترات السلم، ولم تكن مهيأة للعودة إلى وتيرة إنتاج تشبه “اقتصاد الحرب”. فالكثير من خطوط الإنتاج أُغلقت أو تقلصت بعد انتهاء الحرب الباردة، كما أن شركات السلاح اعتادت على عقود طويلة الأمد بكميات محدودة، لا على إنتاج مكثف ومستعجل.
ومع الارتفاع الحاد في الطلب على الذخائر والصواريخ، بدأت الحكومات الأوروبية تدرك أن شركات السلاح وحدها لن تكون قادرة على سد الفجوة بسرعة. لذلك جرى التوجه نحو الاستفادة من خبرات مصانع مدنية تمتلك بنية صناعية ضخمة، مثل شركات السيارات والصلب والميكانيك والإلكترونيات، لإنتاج أجزاء تدخل في الصناعات العسكرية أو للمساهمة مباشرة في تصنيع المعدات الدفاعية.
3- أوروبا تستعد لاحتمال حرب طويلة ومكلفة
لم تعد العواصم الأوروبية تنظر إلى الحرب في أوكرانيا كأزمة قصيرة الأمد، بل كصراع قد يستمر لسنوات ويستنزف الموارد العسكرية والاقتصادية للقارة. كما تخشى بعض الدول من احتمال توسع التوتر مستقبلاً مع Russia أو دخول العالم مرحلة صراعات متزامنة تتطلب جاهزية عسكرية أعلى.
ولهذا السبب، تتحدث الحكومات الأوروبية اليوم عن ضرورة بناء قدرة إنتاج مستدامة تسمح بتوفير الذخائر والمعدات بشكل متواصل، وليس فقط عبر المخزونات القديمة. ويشمل ذلك زيادة إنتاج الطائرات المسيّرة والأنظمة الإلكترونية وقطع الغيار العسكرية، وهي قطاعات تستطيع الشركات المدنية لعب دور أساسي فيها.
4- مخاوف من تراجع الالتزام الأميركي بحماية أوروبا
على مدى عقود، اعتمدت أوروبا بشكل أساسي على الولايات المتحدة في الأمن والدفاع عبر حلف شمال الأطلسي. لكن السنوات الأخيرة شهدت تصاعداً في النقاش داخل European Union حول مخاطر الاعتماد المفرط على واشنطن، خصوصاً مع التغيرات السياسية الأميركية المتكررة واحتمال تبدل أولويات الإدارات المقبلة.
هذه المخاوف دفعت قادة أوروبيين إلى الحديث بشكل أكثر جدية عن “الاستقلال الاستراتيجي”، أي امتلاك أوروبا لقدرات دفاعية وصناعية تتيح لها حماية نفسها حتى في حال تراجع الدعم الأميركي مستقبلاً. ومن هنا، أصبح تعزيز الصناعات العسكرية أولوية سياسية واقتصادية في آن واحد.
5- الصناعات الدفاعية أصبحت فرصة لإنقاذ الاقتصاد
لا تنظر بعض الحكومات الأوروبية إلى التوسع العسكري من زاوية أمنية فقط، بل أيضاً باعتباره فرصة اقتصادية وصناعية. ففي دول مثل Germany، تواجه بعض القطاعات الصناعية، خصوصاً صناعة السيارات، تحديات كبيرة مرتبطة بتباطؤ الاقتصاد العالمي وارتفاع تكاليف الطاقة والمنافسة الصينية.
وفي هذا السياق، بدأت ترتفع الأصوات الداعية إلى الاستفادة من الطاقات الصناعية الفائضة داخل المصانع المدنية عبر تحويل جزء منها إلى الإنتاج العسكري، بما يضمن الحفاظ على الوظائف وتحريك عجلة الصناعة. كما ترى شركات عديدة أن العقود الدفاعية توفر استقراراً مالياً طويل الأمد مقارنة بتقلبات الأسواق التجارية.
6- الحرب الحديثة تحتاج شركات التكنولوجيا المدنية
الحروب الحالية تختلف جذرياً عن الحروب التقليدية، إذ أصبحت التكنولوجيا عاملاً حاسماً في ساحات القتال. فالطائرات المسيّرة وأنظمة الذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية والاتصالات المشفرة باتت عناصر أساسية في أي مواجهة عسكرية حديثة.
وهنا تحديداً، تمتلك الشركات المدنية الأوروبية خبرات متقدمة يمكن توظيفها بسرعة في المجال العسكري، خصوصاً شركات البرمجيات والرقائق الإلكترونية والاتصالات. لذلك تعمل الحكومات على دمج هذه الشركات بشكل أكبر في منظومة الدفاع، بهدف تسريع الابتكار العسكري وتقليص الفجوة التكنولوجية مع القوى الكبرى الأخرى.
ويعكس هذا التحول بأكمله تغيراً عميقاً في العقلية الأوروبية، إذ تنتقل القارة تدريجياً من مرحلة “اقتصاد السلام” إلى مرحلة الاستعداد الطويل للأزمات والصراعات، وسط عالم يشهد تصاعداً في التوترات الجيوسياسية وعودة سباقات التسلح بقوة.



