تباطؤ حاد في الاقتصاد الصيني مع انكماش الاستثمار وتراجع الاستهلاك

تباطأ الاقتصاد الصيني بشكل واسع في نيسان/أبريل، مع انكماش الاستثمار في الأصول الثابتة بنسبة 1.6% خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام 2026 مقارنة بالعام السابق، بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 1.7% في الربع الأول، ما يعكس عودة الضغوط على النمو في ثاني أكبر اقتصاد في العالم.
وبحسب ما أفادت به بلومبيرغ، فقد ارتفعت مبيعات التجزئة بنسبة 0.2% فقط في نيسان/أبريل، في حين تباطأ نمو الإنتاج الصناعي إلى 4.1%، وهو أضعف مستوى في نحو ثلاث سنوات، بينما تراجع معدل البطالة في المناطق الحضرية إلى 5.2% بعد أن بلغ 5.4% في آذار/مارس.
وتأتي هذه الأرقام دون توقعات أي من الاقتصاديين الذين استطلعت بلومبيرغ آراءهم، حيث كان الأداء في الصناعة والتجزئة والاستثمار أضعف من المتوقع بشكل شامل.
وبحسب ما نقلته بلومبيرغ، فإن الصادرات الصينية ارتفعت بنسبة 15% خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام مقارنة بالعام السابق، ما ساعد على إبقاء النمو ضمن المستهدف الرسمي بين 4.5% و5%، رغم تراجع الطلب الداخلي.
وساهمت طفرة الاستثمار العالمي في الذكاء الاصطناعي في دعم الصادرات، خصوصاً في أشباه الموصلات والحواسيب، حيث يشير اقتصاديون في "غولدمان ساكس غروب" (Goldman Sachs Group Inc.) و“نومورا هولدينغز” (Nomura Holdings Inc.) إلى أن هذه المنتجات شكلت نحو نصف نمو الصادرات في نيسان/أبريل.
كما ارتفعت صادرات الصين من الرقائق الإلكترونية بنسبة 100%، في حين قفزت صادرات معدات معالجة البيانات بنسبة 47%، بحسب بيانات الجمارك.
وفي سياق متصل، قالت شارُو تشانانا، كبيرة استراتيجيي الاستثمار في "ساكسو ماركتس" (Saxo Markets)، إن الاقتصاد الصيني "لا يزال يبدو كاقتصاد ثنائي السرعة: قوي في التصنيع الاستراتيجي والصادرات، وضعيف في المجالات المرتبطة بثقة الأسر"، محذرة من أن الضعف بات يتسع داخل الطلب المحلي.
وبحسب بلومبيرغ، فإن أداء مبيعات التجزئة كان الأضعف منذ ديسمبر/كانون الأول 2022، عندما أعادت الصين فتح اقتصادها بعد قيود كوفيد، في حين لم يتوقع أي اقتصادي في الاستطلاع هذا المستوى من الضعف في الصناعة أو التجزئة أو الاستثمار.
وجاء هذا التراجع بعد فترة من دعم الصادرات القوية التي ساعدت الاقتصاد على البقاء ضمن مسار النمو المستهدف، رغم تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة المرتبطة بالحرب في إيران، والتي أثرت على تكاليف الإنتاج داخل المصانع.
وفي هذا السياق، قالت الهيئة الوطنية للإحصاء في الصين إن الاقتصاد "واصل الاستقرار والتحسن"، لكنها أشارت إلى أن "الوضع الخارجي معقد ومتغير"، وأن مشكلة قوة العرض وضعف الطلب ما زالت بارزة، مع صعوبات تشغيلية تواجه بعض الشركات، وفق ما نقلته بلومبيرغ.
في الأسواق، كان رد الفعل محدوداً نسبياً، إذ تراجع اليوان الخارجي بنسبة 0.1% إلى 6.8215 مقابل الدولار، وهو أدنى مستوى في نحو أسبوعين، بينما استقر عائد السندات الحكومية لأجل 10 سنوات عند 1.76%، وتقلصت خسائر عقود السندات لأجل 30 عاماً.
وقال تشانغ تشي وي، كبير الاقتصاديين في "بينبوينت لإدارة الأصول" (Pinpoint Asset Management)، إن النشاط الاقتصادي جاء أضعف من المتوقع، مشيراً إلى أن قوة الصادرات ساعدت على تخفيف ضعف الطلب المحلي لكنها لم تكن كافية لتعويضه بالكامل.
وبحسب بلومبيرغ، من المتوقع أن تبقى الصادرات الصينية قوية بعد ارتفاعها 15% خلال الأشهر الأربعة الأولى، مع تحسن العلاقات التجارية مع الولايات المتحدة، في ظل زيارة الرئيس دونالد ترامب إلى بكين.
لكن في المقابل، لا يظهر أي تحسن واضح في الاستهلاك الداخلي، إذ تراجعت القروض الجديدة للأسر، في وقت لا تزال فيه ثقة المستهلك ضعيفة.
كما ارتفع معدل البطالة بين الشباب في بداية مسيرتهم المهنية إلى أعلى مستوى في أكثر من عامين خلال آذار/مارس، ما أثار مخاوف إضافية بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل.
وفي سياق أوسع، تواصل الحكومة الصينية نهج الانتظار والترقب تجاه ضعف الطلب المحلي، بعد سنوات من السياسات التحفيزية التي لم تحقق سوى تحسن محدود في الاستهلاك.
وبحسب بلومبيرغ، فقد خفّضت الحكومة الإنفاق المالي في آذار/مارس، فيما امتنع البنك المركزي الصيني عن تقديم إشارات واضحة إلى أي تيسير نقدي إضافي، في ظل وفرة السيولة وضعف الطلب على الائتمان.
وفي تطور إيجابي محدود، أظهرت بيانات سوق العقارات أن أسعار إعادة البيع انخفضت بأبطأ وتيرة منذ آذار/مارس 2025، ما دفع مؤسسات مثل "سيتي غروب" (Citigroup Inc.) و"بنك أوف أميركا" (Bank of America Corp.) إلى الإشارة إلى احتمال بدء استقرار القطاع العقاري.
وقال قسم "بلومبيرغ إيكونوميكس" إن بيانات نيسان/أبريل تعكس صورة مقلقة للاقتصاد الصيني مع تدهور الطلب والعرض معاً، ما يعزز الحاجة إلى دعم سياسي عاجل يركز على الاستهلاك والعقارات.
وفي المقابل، تراجعت مبيعات السيارات بنسبة 15% في نيسان/أبريل، وهو أكبر انخفاض منذ منتصف 2022، كما انخفضت مبيعات الأجهزة المنزلية والأثاث بنسبة مزدوجة الرقم، إضافة إلى تراجع مبيعات الذهب والفضة والمجوهرات بنسبة 21% بعد موجة مضاربات سابقة.
وترى شارُو تشانانا أن هذه البيانات قد تعزز توقعات تدخل سياسي إضافي، لكنها أشارت إلى أن المستثمرين سيركزون على إجراءات تستهدف ثقة المستهلك والعقارات بدلاً من مجرد ضخ سيولة عامة في الاقتصاد.



