لا تتخلّوا عن لوحة المفاتيح في ثورة الذكاء الاصطناعي

يبدو أن هناك توجهاً متزايداً للاعتقاد بأن لوحة مفاتيح الحاسوب قد تكون في طريقها إلى التراجع كوسيلة الإدخال الأساسية في بيئة العمل، مع اعتماد موظفين في شركات التكنولوجيا الناشئة على برامج إملاء مدعومة بالذكاء الاصطناعي لتحويل تدفقات الأفكار العشوائية إلى نصوص متماسكة وقابلة للاستخدام خلال ثوانٍ , بحسب بلومبيرغ يوم الجمعة.
وكتبت كايت كلارك في صحيفة “وول ستريت جورنال” عن هذا التوجه المتنامي في وادي السيليكون، حيث أصبحت بيئات العمل “أقل هدوءاً” مع ازدياد استخدام أدوات الإملاء الصوتي المعتمدة على الذكاء الاصطناعي. وجاء عنوان تقريرها: “الطباعة تُستبدل بالهمس… وهذا أكثر إزعاجاً بكثير”.
وأشار كاتب المقال إلى استغرابه بعد قراءته تصريحات كيفن شيكي، رئيس قسم الاتصالات في بلومبيرغ، الذي كتب في نشرته الداخلية أن “المكتب الهادئ قد يصبح قريباً مجرد أثر تاريخي، وقد يبدو مكتب المستقبل أشبه بمركز اتصالات للمبيعات”.
وأضاف الكاتب أنه يفضّل التمسك بلوحة المفاتيح حتى تقاعده، مؤكداً أن تدفقات أفكاره وتشتته كانت تبقى داخل ذهنه “كما يجب أن يكون الحال في مجتمع متحضّر”.ورغم ذلك، يرى أن هذه المعركة قد تكون خاسرة، خصوصاً مع اقتراب شركة “ويسبر” المطوّرة لأحد أشهر تطبيقات الإملاء الذكي من جولة تمويل قد ترفع قيمتها إلى ملياري دولار. وأشار إلى أنه حاول استخدام التطبيق أثناء كتابة المقال، لكنه سرعان ما شعر بالإحراج والتراجع عن الفكرة.كما كشف الكاتب أن أحد التنفيذيين في قطاع التكنولوجيا ردّ على طلب لإجراء مقابلة باستخدام ما وصفه بـ“التعبير المدعوم بالذكاء الاصطناعي”.
وأوضح هارشيث فاديبارثي، وهو مسؤول تنفيذي تقني، أنه استخدم أداة “أوبن كلو” لتحويل حديثه الصوتي إلى وثيقة كاملة تعبّر عن أفكاره، قبل مراجعتها وإرسالها.وقال فاديبارثي: “النقطة الأساسية هي أن أوبن كلو لا يبتكر الإجابات بدلاً مني، فوجهة النظر تعود لي”.
لكن الكاتب شكك في ذلك، معتبراً أن أي شخص يفوض هذه الأدوات بالكتابة “يخدع نفسه”، لأن الفكرة غير المصاغة والمعبّر عنها شفهياً تبقى “نصف فكرة فقط”.
واستشهد الكاتب بقول المؤلف الحائز على جائزة بوليتزر مرتين ديفيد ماكولو: “الكتابة هي التفكير، والكتابة الجيدة تعني التفكير الواضح، ولهذا السبب هي صعبة”.
وأشار إلى أن البعض قد لا يهتم بجودة الكتابة، خصوصاً في الوظائف التي لا تشكل الكتابة جزءاً أساسياً من المنتج النهائي، حيث بات كثيرون يعتبرون كتابة الرسائل الإلكترونية والملاحظات اليومية أكثر أجزاء العمل إنهاكاً.
إلا أن الكاتب حذر من أن استخدام الذكاء الاصطناعي للتخلص من هذا “العبء” قد يؤدي إلى تراجع القدرات البشرية، لأن الذكاء الاصطناعي سيعيد تشكيل الأفكار بطريقة موحدة ومتشابهة للجميع.
وأضاف أن أماكن العمل قد تتحول إلى بيئات صاخبة مع قيام الموظفين بإعطاء التعليمات لروبوتاتهم الصوتية، فيما نقلت “وول ستريت جورنال” أن زيارة شركات الذكاء الاصطناعي الناشئة أصبحت “تشبه دخول مركز اتصالات فاخر”.ورأى الكاتب أن اختفاء هذه الأدوات مستقبلاً — في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجه قطاع الذكاء الاصطناعي — قد يترك المستخدمين عاجزين عن أداء مهامهم، تماماً كما أصبح كثيرون غير قادرين على الوصول إلى أماكن مألوفة من دون أنظمة تحديد المواقع GPS.
وأشار إلى أن تراجع المهارات لا يحدث دفعة واحدة، مستشهداً بما كتبه توم سلايتر، الشريك في شركة “بيلي جيفورد”، بأن “الذكاء الاصطناعي يحسّن الأداء الفوري للمهام، لكنه يضعف القدرات البشرية الأساسية التي تنتج هذا الأداء”. وأضاف: “تحصل على نتائج أفضل اليوم، لكنك تصبح أقل قدرة غداً”.
كما لفت إلى أن هذا النوع من الاعتماد يمثل نموذج الأعمال الأساسي لشركات الذكاء الاصطناعي، مستشهداً ببيان حديث لشركة أوبن أيه آي قالت فيه: “نحن نحوّل الذكاء إلى خدمة عامة عالمية”.
وأوضح الكاتب أن “مركز البيانات” الموجود داخل عقل الإنسان مجاني وأكثر قوة عند التعبير عن الأفكار بشكل مباشر، مستشهداً بقول الكاتب تشارلز بوكوفسكي إن “الآلة الكاتبة تمنحني أشياء لا أعرف حتى أنني أعمل عليها”.وأكد أن هذه اللحظات الفكرية هي التي تصنع الفارق الحقيقي وتمنح الإنسان القدرة على الإبداع الذي لا يمكن استبداله.
وفي ختام المقال، دعا الكاتب القراء إلى التفكير ملياً قبل التوقف عن الكتابة لصالح التحدث إلى أدوات الذكاء الاصطناعي، مستشهداً بقول المستثمر التقني بول غراهام: “العالم المنقسم بين من يكتبون ومن لا يكتبونأخطر مما يبدو، لأنه سيكون عالماً بين من يفكرون ومن لا يفكرون”.
وختم بالقول إن حتى أبسط أشكال الكتابة تُبقي الإنسان في حالة تفكير، مؤكداً أن لوحة المفاتيح تبقى “درعاً” في عالم قد تتراجع فيه قيمة الدور البشري.



