Contact Us
Ektisadi.com
اقتصاد

الولايات المتحدة تحتاج عقداً إضافياً لمعالجة أزمة المعادن النادرة البالغة 1.2 تريليون دولار

15 مايو 2026 | 08:31 م
منشأة لتكرير معادن نادرة مع أعلام الولايات المتحدة والصين

على مدى العام الماضي، خاض الرئيس الأميركي دونالد ترامب حملة تهدف إلى إنهاء اعتماد الولايات المتحدة على المعادن الأرضية النادرة التي لا تزال تمثل ورقة النفوذ الأقوى بيد الرئيس الصيني شي جين بينغ في الاقتصاد العالمي , بحسب بلومبيرغ يوم الجمعة.

ومن اجتماعات البيت الأبيض إلى مفاوضات مجالس الإدارة، ضخّ مسؤولون أميركيون وحلفاؤهم حول العالم مليارات الدولارات في مشاريع التعدين والتكرير والمنشآت الصناعية الأخرى. وبينما استغرقت الصين عقوداً لبناء هيمنتها، تعهد ترامب في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي بأن إنهاء اعتماد الولايات المتحدة على المعادن النادرة لن يستغرق سوى 18 شهراً.

إلا أن المعادن الأهم لا تزال بعيدة المنال.

فمن المتوقع أن تتراجع قبضة الصين على بعض المعادن الأرضية النادرة الخفيفة المستخدمة في نسبة كبيرة من الإلكترونيات الاستهلاكية بحلول نهاية هذا العقد، لكن بالنسبة لبعض المعادن الثقيلة الأساسية المستخدمة في المغناطيسات عالية الأداء والتقنيات العسكرية — والتي استهدفتها الصين بقيود تصدير العام الماضي — فمن المرجح أن يستمر تفوق بكين حتى منتصف ثلاثينيات القرن الحالي على الأقل، وفق بيانات وتقديرات قدمتها ثلاث شركات استشارية متخصصة للمعادن الحيوية إلى بلومبيرغ.

وبحسب بيانات شركة “ماكينزي آند كو”، فإن الدول خارج الصين لن تتمكن بحلول عام 2035 من تلبية أكثر من خمس الطلب العالمي على عنصري الديسبروسيوم والتيربيوم، وهما من أهم العناصر الثقيلة. كما قدمت شركتا “سي آر يو غروب” و”بنشمارك مينيرال إنتليجنس” تقديرات وتفسيرات مماثلة.

وقال ميشيل فان هوي، الشريك البارز في “ماكينزي” والمتخصص في قطاع التعدين والمعادن، إن “تحقيق تنويع فعلي سيستغرق وقتاً أطول مما يتوقعه كثيرون”.

وتعتمد التوقعات بطبيعة الحال على حجم الطلب، الذي قد يتغير خلال السنوات المقبلة مع ظهور تقنيات جديدة، من بينها تصنيع مغناطيسات تحتوي على كميات أقل من المعادن الثقيلة، ما قد يحد من تأثير فجوات الإمدادات مع الصين على الأسواق العالمية.

وأصبحت المخاطر أكثر إلحاحاً في ظل الحرب مع إيران، إذ أظهر تحليل لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن الولايات المتحدة ربما استنزفت بالفعل أكثر من نصف مخزونها قبل الحرب من بعض الذخائر الرئيسية، في وقت تعتمد فيه كثير من هذه التقنيات على المعادن الأرضية الثقيلة التي لا توجد بدائل عملية لها.

كما أمضت اليابان أكثر من عقد في محاولة تقليل اعتمادها على المعادن النادرة الصينية، إلا أن الصين لا تزال توفر 76% من احتياجاتها، ما يبرز صعوبة تنويع مصادر الإمداد. أما بالنسبة للمعادن الثقيلة، فقد بلغت نسبة الاعتماد على الصين نحو 100% حتى العام الماضي.

وبرزت هذه العناصر خلال القمة التي جمعت ترامب وشي هذا الأسبوع. ورغم أن الصين أوقفت مؤقتاً توسيع قيود التصدير أواخر العام الماضي، فإن هذا التخفيف ينتهي في تشرين الثاني/نوفمبر، فيما يرى محللون أن الإلغاء الكامل للقيود غير مرجح.

ويُعد التعرض الاقتصادي كبيراً، إذ تشير تقديرات “بلومبيرغ إيكونوميكس” إلى أن نحو 4% من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي — أي ما يعادل حوالي 1.2 تريليون دولار — يأتي من صناعات تستخدم المعادن الأرضية النادرة، وقد تواجه بعض هذه الصناعات خطر التوقف إذا أوقفت الصين الإمدادات.

وتُعتبر المعادن الثقيلة أكثر تعقيداً بسبب صعوبة معالجتها وندرتها مقارنة بالمعادن الخفيفة.

وفي وقت سابق من العام الجاري، وقع البنتاغون اتفاقاً للحصول على إمدادات من شركة “ليناس رير إيرثس” الأسترالية، وهي الشركة الوحيدة خارج الصين التي تقوم بتكرير المعادن الأرضية الثقيلة، وهو نشاط بدأت الشركة بتقديمه في عام 2025.

لكن تلبية الطلب ستكون صعبة، إذ يبلغ الطلب العالمي على الديسبروسيوم والتيربيوم آلاف الأطنان سنوياً، بينما أنتجت “ليناس” ثمانية أطنان فقط منهما خلال الربع الأول من عام 2026.

وقالت نيها موخيرجي، مديرة الأبحاث في “بنشمارك مينيرال إنتليجنس”، إن “كلما كانت المعادن الأرضية أثقل ارتفعت تكلفة تكريرها”، مشيرة إلى أن الصين قادرة على تنفيذ هذه العمليات “بتكلفة منخفضة جداً وكفاءة عالية”.ورغم أن هذه العناصر تمثل نسبة صغيرة من السوق الإجمالية، فإن كميات ضئيلة منها تعزز قوة المغناطيسات ومقاومتها للحرارة، ما يجعلها أساسية لطائرات “إف-35” والغواصات من فئة “فيرجينيا” والسيارات الكهربائية والتقنيات المتقدمة الأخرى.

وتمر المعادن الأرضية النادرة بثلاث مراحل تصنيع: استخراج الخام، وفصل الأكاسيد كيميائياً، ثم تحويلها إلى معادن ومغناطيسات. وتسيطر الصين على المراحل الثلاث، خصوصاً التكرير وتصنيع المغناطيسات.

وتُعد “ليناس” من الشركات القليلة خارج الصين التي نجحت في بناء سلسلة متكاملة من التعدين إلى الأكاسيد، وهي الوحيدة التي أتقنت تكرير المعادن الثقيلة، وهي خبرة استغرقت سنوات طويلة لتطويرها، فيما لا تزال طاقتها الإنتاجية الحالية تغطي جزءاً محدوداً فقط من الطلب العالمي.

وتعمل شركات أخرى على تطوير مشاريع مماثلة، إلا أن القليل منها يمتلك حالياً القدرة على التعامل مع المعادن الثقيلة، بينما يظل الاستثمار في التكرير أكثر كلفة وتعقيداً بيئياً من التعدين نفسه.

ويمثل بناء سلسلة توريد بديلة هدفاً عالمياً، مع الإعلان عن مشاريع جديدة من البرازيل إلى أستراليا، فيما تُعد الولايات المتحدة من أكثر الدول اندفاعاً لبناء سلسلة إمداد مستقلة بالكامل.

ومع ذلك، حتى في حال تنفيذ جميع المشاريع المخطط لها، فمن المتوقع استمرار فجوة كبيرة في تلبية الطلب العالمي خارج الصين بحلول عام 2035، مع اتساع الفجوة عبر مختلف مراحل سلسلة تصنيع المغناطيسات النادرة.

ويواجه الباحثون عن بدائل للصين تحديات جيولوجية، إذ تمتلك الولايات المتحدة عدداً محدوداً من الرواسب القابلة للاستخراج اقتصادياً لبعض المعادن النادرة. كما أن تطوير المشاريع يواجه فترات ترخيص طويلة ومعارضة محلية ومخاوف بيئية، خاصة أن بعض الخامات تحتوي على عناصر مشعة.

ثم تأتي مرحلة الفصل الكيميائي، وهي المرحلة التي أتقنتها الصين على مدى عقود، إذ تتطلب المعادن الثقيلة عمليات فصل دقيقة ومعقدة تعتمد على معدات متخصصة وخبرات بشرية ورؤوس أموال طويلة الأجل. وتمتلك الصين العدد الأكبر من براءات الاختراع ذات الصلة، كما شددت قيود تصدير التكنولوجيا المرتبطة بهذه العمليات منذ عام 2008 على الأقل.

وحتى بعد التكرير، تبقى المغناطيسات نفسها نقطة قوة رئيسية للصين التي تنتج معظمها عالمياً.

وفي المقابل، تمتلك الولايات المتحدة عدداً من خريجي برامج التعدين يعادل واحداً على خمسة عشر مقارنة بالصين، وفق مارينا يوي تشانغ، الأستاذة المشاركة في جامعة التكنولوجيا في سيدني والمتخصصة في السياسات الصناعية الصينية.وقالت تشانغ: “الصين تمتلك عدة آلاف من خبراء فصل المعادن الأرضية النادرة، بينما الولايات المتحدة لديها أقل من مئة”.ويعود سبب صعوبة استبدال هؤلاء الخبراء إلى التعقيدات الكيميائية، إذ إن المعادن الثقيلة أكثر ندرة ويصعب التمييز بينها كيميائياً، ما يجعل عمليات الفصل النقي معقدة للغاية. وقد تتطلب بعض العمليات أكثر من ألف مرحلة للحصول على نقاء فائق، وهي مستويات تحققها الصين بشكل روتيني بينما يعجز كثيرون عن الوصول إليها.

كما تمتلك الصين ميزة كبيرة من حيث التكلفة، إذ تستطيع خفض الأسعار بطريقة تجعل من الصعب على المشاريع المنافسة البقاء.

وفي أوائل العقد الماضي، فرضت بكين قيود تصدير أدت إلى ارتفاع أسعار بعض المعادن الخفيفة إلى أكثر من 200 دولار للكيلوغرام، ما حفز موجة إنتاج جديدة، قبل أن تتراجع الأسعار لاحقاً، وهو ما صعّب استمرار المنافسين.وقالت أماندا لاكاز، الرئيسة التنفيذية لشركة “ليناس”، إنها تتذكر بوضوح اضطرار الشركة إلى بيع بعض المنتجات بسعر 29 دولاراً للكيلوغرام فقط آنذاك، فيما تجاوزت الأسعار العالمية حالياً 100 دولار للكيلوغرام.

كما أن المعادن الثقيلة غالباً ما تُستخرج مع المعادن الخفيفة، ما يجعل الجدوى الاقتصادية مرتبطة بأسعار العناصر الأخرى.

ودفع ذلك الولايات المتحدة وحلفاءها خلال الأشهر الماضية إلى السعي لإنشاء تكتل تجاري للمعادن النادرة بهدف بناء سوق غربية مستقلة محمية من الضغوط السعرية الصينية عبر وضع حدود سعرية وآليات دعم أخرى.

لكن تحقيق توافق دولي يظل معقداً، إذ تتجنب اليابان خطوات قد تستفز الصين، فيما يتحفظ بعض القادة الأوروبيين على وضع حدود سعرية خشية تشويه الأسواق ورفع التكاليف.

وقال كريس كينيدي من “بلومبيرغ إيكونوميكس”: “الكثير من الأمر يعتمد على عوامل يصعب قياسها، مثل مدى قدرة الولايات المتحدة على العمل مع الحلفاء، وكيف سترد الصين”.

كما أن ارتفاع الأسعار قد يدفع الشركات إلى تقليل استخدامها للديسبروسيوم والتيربيوم أو إعادة تصميم المنتجات لتجنب الاعتماد عليهما، رغم أن كثيراً من التطبيقات لا تزال بحاجة إليهما لتحقيق الأداء المطلوب.

وأكدت روانا سميث، الرئيسة التنفيذية لشركة “أستراليان ستراتيجيك ماتيريالز”، أن “الكثيرين يحاولون تقليل استهلاك المعادن الثقيلة، لكن المنتجين القريبين من السوق يجب أن يشعروا بالارتياح لأن الطلب سيبقى قائماً”.

وفي المقابل، بدأت الحكومات بضخ مزيد من رؤوس الأموال. فقد بلغت الاستثمارات المعلنة العام الماضي لمشاريع خارج الصين 6.3 مليارات دولار، أكثر من 60% منها من الحكومة الأميركية، بحسب “بنشمارك مينيرال إنتليجنس”، تلتها استثمارات إضافية بقيمة 2.8 مليار دولار خلال الربع الأول من 2026.

كما وسّعت شركة “إم بي ماتيريالز” الأميركية عمليات التعدين وتصنيع المغناطيسات في كاليفورنيا وتكساس، بينما تعمل شركات أصغر على استخراج المعادن من مخلفات الفحم والنفايات التعدينية.

وفي نيسان/أبريل، وافقت شركة “يو إس إيه رير إيرث” على الاستحواذ على شركة التعدين البرازيلية “سيرا فيردي غروب” مقابل 2.8 مليار دولار، في واحدة من أكبر الصفقات بالقطاع.

ورغم كل ذلك، يرى خبراء أن الولايات المتحدة لا تزال بعيدة عن تحقيق الاكتفاء الذاتي من المعادن الأرضية النادرة.

وقال كينيدي: “لا شك أن الصين ستحتفظ بهذه الورقة حتى على الأقل موعد مغادرة ترامب منصبه”.