تحقيق | من البيجر إلى الخوارزميات القاتلة... هكذا أعادت إسرائيل تشكيل الحرب مع حزب الله منذ 7 أكتوبر

في مساءات الجنوب اللبناني التي كانت تُعرف يوماً بصوت القصف والمدفعية، ظهر بعد السابع من أكتوبر نوع مختلف من القلق. لم يعد السؤال بين عناصر حزب الله وبيئته يدور فقط حول مكان الغارة المقبلة، بل حول شيء أكثر غموضاً:
- كيف تعرف إسرائيل كل هذا؟
- كيف تصل الصواريخ إلى شقق سكنية بعد دقائق من دخول شخص إليها؟
- كيف تُستهدف سيارات بعينها وسط طرق مزدحمة؟
- كيف تتحول أجهزة اتصال يفترض أنها “آمنة” إلى أدوات انفجار أو تعقب؟
- وكيف بدا الحزب، الذي طالما قدّم نفسه بوصفه التنظيم الأمني الأكثر تعقيداً في المنطقة، مكشوفاً إلى هذا الحد؟
الحرب التي اندلعت بعد “طوفان الأقصى” لم تكشف فقط حجم النار المتبادلة على الحدود اللبنانية الفلسطينية، بل كشفت أيضاً أن إسرائيل كانت تخوض منذ سنوات حرباً أخرى أقل ظهوراً وأكثر خطورة، ألا وهي حرب السيطرة على البيانات والمعلومات والبصمة الرقمية للخصم.
الحرب التي بدأت بعد 2006 لا بعد 2023
في إسرائيل، لم تُعتبر حرب يوليو/ تموز 2006 مجرّد مواجهة عسكرية فاشلة، بل لحظة إذلال استراتيجية. فالمؤسسة الأمنية الإسرائيلية خرجت من تلك الحرب بقناعة أن حزب الله نجح لأنه فهم بيئة الجنوب اللبناني أكثر مما فهمتها إسرائيل نفسها، ولأنه استطاع الاختفاء داخل مجتمع مغلق وشبكات بشرية معقدة.
منذ ذلك الوقت، بدأت إسرائيل مشروعاً طويل الأمد لإعادة بناء علاقتها الاستخباراتية بلبنان. ولم يكن الهدف فقط معرفة أماكن الصواريخ أو الأنفاق، بل فهم “الحياة اليومية” للحزب وبيئته:
- من يتحرك مع من؟
- من يزور من؟
- كيف تتغير أنماط الحركة؟
- من أين تُشترى المعدات؟
- كيف تعمل شبكات الاتصال؟
- وأي تفاصيل صغيرة يمكن أن تتحول لاحقاً إلى نقطة ضعف؟
بمرور السنوات، تحوّلت هذه العملية إلى ما يشبه بناء “لبنان رقمي” داخل قواعد البيانات الإسرائيلية.
الهاتف الذي تحول إلى شاهد دائم
في الحروب التقليدية، كان المقاتل يستطيع الاختفاء إذا توقف عن استخدام الهاتف أو انتقل إلى منزل آمن أو استخدم أسماء حركية. لكن الحرب الحالية غيرت هذه القواعد بالكامل. إذ كشف تحقيق صحيفة لوس انجلوس تايمز (Los Angeles Times) في الساعات الأخيرة، أن إسرائيل تستخدم منظومات تحليل بيانات متقدمة تجعل الهاتف الذكي مجرّد جزء صغير من شبكة مراقبة أوسع بكثير.
فالهاتف هنا ليس جهاز اتصال فقط، بل “مرآة حياة كاملة”. فكل حركة يلتقطها يمكن أن تتحوّل إلى مادة خام للتحليل:
- موقع جغرافي
- شبكة واي فاي
- صورة
- رسالة
- اتصال
- تطبيق
- حتى سرعة الحركة اليومية
وبحسب التحقيق، تستخدم إسرائيل أجهزة تُعرف باسم “Stingrays”، وهي أجهزة تنتحل صفة أبراج الاتصالات الخلوية. وبمجرد وجود الهاتف في نطاقها، يبدأ الجهاز بإرسال بياناته إليها تلقائياً، ما يسمح بتحديد موقعه بدقة كبيرة وربطه بأجهزة أُخرى قريبة.
لكن الأخطر أن إسرائيل لم تعد تعتمد على رقم الهاتف نفسه. فحتى لو غيّر الشخص شريحته أو أوقف هاتفه، تبقى هناك آثار أُخرى:
- نمط الحركة
- السيارة المستخدمة
- الأشخاص الذين يلتقيهم
- الكاميرات التي ترصده
- الأجهزة القريبة منه
- تكرار ظهوره في أماكن معينة
كل هذه العناصر تُدمج معاً لبناء ما يسميه خبراء الأمن “البصمة السلوكية”. أي أن الإنسان أصبح قابلاً للتعقب ليس فقط عبر هاتفه، بل عبر طريقته في الحياة.
بالانتير... عندما تتحوّل البيانات إلى بنك أهداف
التحقيقات الغربية الأخيرة تتحدث كثيراً عن دور شركة بالانتير (Palantir Technologies) الأميركية، وهي شركة تعمل منذ سنوات مع البنتاغون ووكالات الاستخبارات الأميركية. وهذه الشركة لا تصنع أسلحة تقليدية، بل تصنع شيئاً أكثر تعقيداً: أنظمة قادرة على ربط ملايين البيانات ببعضها واستخلاص أنماط وعلاقات لا يستطيع البشر اكتشافها بسهولة.
في الحالة اللبنانية، يعني ذلك أن النظام يستطيع مثلاً:
- ملاحظة أن شخصاً معيناً يزور منطقة محددة باستمرار
- وربط ذلك بتحركات أشخاص آخرين
- وربطهم جميعاً بأرقام وهواتف وسيارات
- ثم مقارنة هذه الشبكة ببيانات قديمة أو مراقبة جوية أو اتصالات سابقة
وخلال ثوانٍ، تصبح لدى النظام “خريطة علاقات” كاملة. وهذه التكنولوجيا غيّرت مفهوم العمل الاستخباراتي نفسه. ففي الماضي، كان الأمر يحتاج إلى فرق مراقبة وعملاء وتحقيقات طويلة. أما اليوم، فالخوارزمية تستطيع اقتراح “أهداف محتملة” بصورة شبه تلقائية.
“الخوارزمية التي تقرر من يموت”
أما أحد أخطر الجوانب التي كشفتها التحقيقات الغربية فيتمثل في استخدام إسرائيل لأنظمة ذكاء اصطناعي مثل:
- Lavender
- The Gospel
- Where’s Daddy
وهذه الأنظمة لا تطلق الصواريخ بنفسها، لكنها تقوم بشيء بالغ الحساسية:
- اقتراح من يجب مراقبته أو استهدافه.
- الفكرة هنا أن الذكاء الاصطناعي لا يفكر بطريقة البشر.
والنظام هنا لا يسأل إن كان الشخص “مذنباً” أو “بريئاً”، بل يبحث عن التشابهات والأنماط. فأي شخص قد يتحول إلى “هدف محتمل” حتى لو لم يكن قائداً عسكرياً، في حال كان:
- يتردد على مواقع معينة
- يتحرك مع أشخاص محددين
- يستخدم خطوط اتصال مرتبطة بشبكات مراقبة
- يظهر ضمن نمط سلوكي معين
ولهذا يتحدث خبراء حقوقيون عن انتقال الحروب من “الاستهداف المباشر” إلى “الاستهداف الخوارزمي”، حيث تصبح البيانات نفسها جزءاً من قرار القتل.
عملية “البيجر”... اللحظة التي صدمت الحزب
ربما لم تكشف أي حادثة حجم الاختراق الإسرائيلي مثل قضية أجهزة “البيجر”. بالنسبة لكثيرين داخل بيئة الحزب، كانت هذه اللحظة مفصلية نفسياً. فالأمر لم يعد يتعلق بطائرة استطلاع في السماء أو عميل على الأرض، بل بأجهزة اتصال يفترض أنها جزء من البنية الأمنية الداخلية نفسها.
والتقارير التي تناولت العملية تحدثت عن احتمال اختراق سلسلة توريد الأجهزة أو زرع وسائل مراقبة وتفجير داخلها قبل وصولها إلى المستخدمين. والمعنى هنا يتجاوز العملية نفسها. فإسرائيل أرادت إيصال رسالة تقول إن الاختراق لم يعد خارجياً فقط، بل قد يكون داخل الأشياء اليومية التي يثق بها التنظيم.
الجنوب تحت المراقبة الدائمة
خلال الأشهر الماضية، أصبحت الطائرات المسيّرة الإسرائيلية جزءاً دائماً من المشهد اللبناني. لكن وظيفة هذه الطائرات لم تعد التصوير التقليدي فقط. فكل سيارة تتحرك، وكل طريق يُستخدم، وكل تغيير في الحركة اليومية، يمكن أن يتحوّل إلى معلومة تُرسل فوراً إلى مراكز التحليل.
ثمة خوارزميات تراقب:
- ازدحام الطرق
- التحركات الليلية
- الأنماط غير المعتادة
- تغيّر النشاط في القرى الحدودية
- ثم تقارن ذلك ببيانات سابقة لتحديد ما إذا كان هناك “نشاط مشبوه”.
وبهذا المعنى، لم تعد إسرائيل تحتاج دائماً إلى عميل بشري يرى الهدف بعينيه. فالبيانات نفسها أصبحت عيوناً مفتوحة على مدار الساعة.
لماذا بدا حزب الله متأخراً؟
تكمن المشكلة الأساسية في أن حزب الله بُني على نموذج أمني ينتمي إلى عصر مختلف. ونجاح الحزب تاريخياً اعتمد على:
- السرّية البشرية
- الخلايا المغلقة
- تقليل الاتصالات
- الانضباط التنظيمي
- البيئة الاجتماعية الحاضنة
لكن هذه الأدوات صُممت لعالم ما قبل الذكاء الاصطناعي الشامل. واليوم، حتى الشخص الذي لا يستخدم هاتفاً قد يُكتشف عبر:
- كاميرات الطرق
- تحركات أقاربه
- السيارات المرتبطة به
- الأنماط اليومية
- شبكات العلاقات
أي أن الاختفاء الجسدي لم يعد يعني الاختفاء الرقمي.
وهنا تحديداً ظهر التفوق الإسرائيلي الحقيقي. فإسرائيل لم تتفوّق فقط بالسلاح، بل لأنها فهمت أن الحرب الحديثة أصبحت حرب بيانات قبل أي شيء آخر.
الحرب النفسية... “نحن نعرفكم”
ربما كان الهدف الأعمق لكل هذا التفوّق التكنولوجي هو الحرب النفسية. فكل عملية اغتيال دقيقة، وكل اختراق، وكل تسريب، يحمل رسالة واحدة: “نحن نعرفكم أكثر مما تتوقعون”.
في التنظيمات العسكرية السرية، الثقة الداخلية هي رأس المال الحقيقي. وعندما يبدأ الأفراد بالشعور أن الهواتف مراقبة، والسيارات مرصودة، والأجهزة مخترقة، والعلاقات مكشوفة، يتحوّل الشك نفسه إلى سلاح. وهذا ما جعل الحرب الحالية مختلفة جذرياً عن كل ما سبقها: لم تعد مجرّد مواجهة حدودية، بل صراع على السيطرة على المعلومات والوعي والخوف نفسه.
المنطقة دخلت عصر “الحروب الخوارزمية”
ما يجري بين إسرائيل وحزب الله قد يكون نموذجاً مبكراً لما ستبدو عليه حروب المستقبل. فالمعركة لم تعد فقط:
- طائرات مقابل صواريخ
- أو جنود مقابل مقاتلين
بل أصبحت:
- خوارزميات مقابل تنظيمات تقليدية
- بيانات مقابل السرية القديمة
- وذكاء اصطناعي مقابل العمل السري الكلاسيكي
وفي هذا النوع من الحروب، قد يصبح الهاتف أخطر من الدبابة، وقد تتحول الخوارزمية إلى سلاح يقرر مصير البشر خلال ثوانٍ.



