مصرفيو الديون المتعثرة في هونغ كونغ يصعّدون عمليات التصفية والبيع القسري

يتجه عدد محدود من المصرفيين في هونغ كونغ المكلّفين بمعالجة الديون المتعثرة إلى اعتماد إجراءات أكثر تشدداً، مع تصاعد الضغوط الناتجة عن تضخم حجم القروض المتعثرة إلى نحو 200 مليار دولار هونغ كونغي، ما دفع نسبة القروض المتعثرة في المدينة إلى أعلى مستوياتها منذ عقدين , بحسب بلومبيرغ يوم الإثنين.
ويعمل هؤلاء المصرفيون، المعروفون باسم “مصرفيي الأصول الخاصة”، خلف الكواليس على تسريع عمليات بيع الضمانات العقارية أو دفع المقترضين نحو التصفية، خصوصاً في ظل الخسائر الكبيرة المرتبطة بالعقارات التجارية، وفقاً لأكثر من عشرة مصرفيين وأشخاص يعملون بشكل مباشر معهم.
وتسعى البنوك إلى توسيع فرقها المتخصصة في معالجة الديون، والتي تُعرف أيضاً بفرق “الائتمان الخاص” أو “الاسترداد والتحصيل”، مستفيدة من تحسن الاقتصاد بهدف تقليص الخسائر وتوفير سيولة جديدة للإقراض.
وبحسب مصادر مطلعة، قامت ستة بنوك على الأقل في هونغ كونغ بزيادة عدد الموظفين المتخصصين في هذا المجال. وضاعف كل من بنك شرق آسيا وفرع بنك يونايتد أوفرسيز في هونغ كونغ عدد العاملين في هذه الفرق تقريباً منذ عام 2024، فيما أضاف بنك الصين – هونغ كونغ وبنك هانغ سنغ عدداً جديداً من المتخصصين إلى فرق كانت تضم بالفعل أكثر من عشرة موظفين.
وأوضح متحدث باسم بنك يونايتد أوفرسيز أن البنك يعمل بشكل بنّاء مع العملاء الذين يواجهون تحديات مع حماية مصالح المساهمين، فيما رفض بنك الصين – هونغ كونغ وبنك هانغ سنغ التعليق، ولم يرد بنك شرق آسيا على طلبات التعليق.
ويصف العاملون في هذا القطاع طبيعة العمل بأنها مرهقة وصعبة، نظراً للتعامل مع مقترضين يمرون بأسوأ ظروفهم المالية. وقال أحد المصرفيين في بنك صيني إنه يعمل حتى منتصف الليل بشكل متكرر، بينما يتعامل فريقه مع نحو عشرين ملف قرض متعثر في الوقت نفسه، أي أكثر من ضعف حجم العمل مقارنة بما كان عليه الوضع قبل سنوات قليلة.
ورغم مؤشرات التعافي في بعض قطاعات الاقتصاد وعودة النشاط إلى الأسواق والشوارع التجارية، لا يزال قطاع العقارات التجارية يواجه ضغوطاً كبيرة نتيجة ارتفاع نسب الشغور وفائض المعروض، إضافة إلى تأثير عمليات البيع القسري للعقارات المتعثرة.
وأدى ذلك إلى تعزيز القناعة لدى المقرضين بضرورة التحرك بشكل أسرع لمعالجة القروض المتعثرة وتحرير القدرة التمويلية للمشاريع الجديدة، خصوصاً مع اقتراب إطلاق مشاريع بنية تحتية ضخمة.
وخلال الأشهر الماضية، شارك مصرفيو الديون المتعثرة في تعيين مدراء متخصصين للاستحواذ على أبراج مكتبية فاخرة وبيعها. ومن بين هذه الحالات، تعيين شركاء من برايس ووترهاوس كوبرز لإدارة وبيع برج “إتش كيه نيو” المؤلف من 25 طابقاً في كولون، بهدف استرداد جزء من قرض بقيمة 5.5 مليار دولار هونغ كونغي.
وفي قضية أخرى، عيّن بنك شرق آسيا شركاء من “إي واي بارثينون” للاستحواذ على برج “وان بيدفورد بليس” المكتبي وبيعه.
وقال ديريك لاي، الشريك البارز في فريق إعادة الهيكلة العالمي لدى “إي واي بارثينون”، إن هناك تحولاً واضحاً “من الانتظار إلى التحرك”، مضيفاً أن البنوك أصبحت أكثر ميلاً إلى تحمل الخسائر والمضي قدماً، خصوصاً في ما يتعلق بالقروض العقارية التجارية.
ويبرز هذا التحول في مدينة عُرفت تقليدياً بدعم الشركات خلال فترات الأزمات، وهو النهج الذي اعتمدته الجهات التنظيمية بعد الأزمة المالية الآسيوية تحت اسم “مقاربة هونغ كونغ لصعوبات الشركات”.
لكن صبر البنوك بدأ ينفد بعد ارتفاع نسبة القروض المتعثرة إلى 2.01% بنهاية العام الماضي، وهو أعلى مستوى منذ عام 2004.
ورغم تمتع البنوك برسملة قوية تفوق بكثير الحد الأدنى للمعايير الدولية، فإن المخاطر لا تزال تتزايد، خصوصاً مع احتمال ارتفاع أسعار الفائدة نتيجة تداعيات الحرب مع إيران وارتفاع أسعار الطاقة، ما يزيد أعباء خدمة الديون على المقترضين المتعثرين.
وفي إطار سعيها لتوسيع فرق معالجة الديون، بدأت البنوك باستقطاب موظفين من بنوك أخرى وشركات استشارات إعادة الهيكلة، كما أعادت توزيع بعض موظفي إدارة المخاطر ومديري العلاقات مع العملاء للعمل ضمن هذه الفرق.
ويشير العاملون في القطاع إلى أن الرواتب في هذا المجال تقل بنسبة لا تقل عن 20% مقارنة بوظائف الواجهة الأمامية في البنوك التجارية، حيث تتراوح الأجور السنوية بين 500 ألف ومليوني دولار هونغ كونغي بحسب المستوى الوظيفي.
ويفضّل معظم مصرفيي الأصول الخاصة العمل بعيداً عن الأضواء لتجنب لفت الانتباه إلى القروض الفاشلة، كما يُعرف عنهم التزام الصمت خلال الاجتماعات والاكتفاء بتعليقات مقتضبة عند الحاجة.
ومن أبرز الأسماء في هذا المجال فنسنت لاو، رئيس فريق الائتمان الخاص في بنك هانغ سنغ، والذي لا يضع حتى صورة شخصية على صفحته في “لينكدإن”، خلافاً للعديد من المصرفيين الذين يستعرضون صفقاتهم وإنجازاتهم المهنية.
كما تشير مصادر مطلعة إلى وجود توتر أحياناً بين فرق استرداد الديون ومديري العلاقات المصرفية الذين كانوا وراء منح بعض القروض المتعثرة أساساً.
وفي ظل استمرار معاناة قطاع العقارات التجارية رغم بعض الصفقات الكبرى، لا تزال معدلات الشغور في المباني المكتبية مرتفعة بسبب موجة افتتاح مشاريع جديدة، حيث بلغت نسبة الشغور 16.8% بنهاية مارس، وفق بيانات “سي بي آر إي غروب”.
ومع تصاعد الضغوط، بات مصرفيو الائتمان الخاص يقضون وقتاً أطول مع خبراء الإفلاس والمحامين، فيما بدأ بعضهم باللجوء إلى القضاء لملاحقة المقترضين المتعثرين.
وقال أحد المصرفيين إن ضغط العمل أصبح يفوق أي فترة سابقة في مسيرتهم المهنية، مضيفاً أن الوظيفة تحولت بالكامل إلى “الاسترداد وإعادة الهيكلة واحتواء الخسائر” مع تغير البيئة الائتمانية.



