Contact Us
Ektisadi.com
صحة وغذاء

بعد الهواتف الذكية… هل يأتي عصر “العقول الذكية”؟

11 مايو 2026 | 03:21 م
صورة مستقبلية لدماغ بشري متصل بشريحة إلكترونية رقمية.

لطالما تخيلت أفلام وأعمال الخيال العلمي عالماً تتفاعل فيه أدمغة البشر مع الآلات لاستعادة القدرات البشرية وتعزيزها، كما ظهر في شخصيات مثل “جوردي لا فورج” في سلسلة “ستار تريك” أو “أليكس مورفي” في فيلم “روبوكوب”. أما اليوم، فإن هذا التصور يقترب تدريجياً من الواقع مع التطورات المتسارعة في تقنيات واجهات الدماغ والحاسوب.

ويعمل الباحثون منذ عقود على تطوير ما يُعرف بواجهات الدماغ والحاسوب، وهي أنظمة تهدف إلى مساعدة الأشخاص الذين يعانون من الشلل أو فقدان البصر أو السمع وغير ذلك من الحالات العصبية، على استعادة بعض الوظائف الحيوية. وقد تمكن بعض المرضى بالفعل من التحكم بمؤشر الحاسوب عبر التفكير فقط، فيما استطاع آخرون تحريك أذرع روبوتية أو تحويل أفكارهم إلى نصوص مكتوبة.

ورغم أن التقنية لا تزال في مراحلها المبكرة، وأن عدد الأشخاص الذين تلقوا زرعات دماغية لا يتجاوز المئات، فإن القطاع يقترب من نقطة تحول مهمة بفضل التقدم في العتاد الإلكتروني ونماذج الذكاء الاصطناعي القادرة على تحليل الإشارات العصبية وفك شفرتها.

واجتذبت هذه التقنية اهتمام عدد من كبار المستثمرين ورواد التكنولوجيا، من بينهم الرئيس التنفيذي لشركة تسلا أيلون ماسك والرئيس التنفيذي لشركة أوبن أي آيه سام ألت مان ، وسط رهانات على إمكانية تحول هذه الأجهزة مستقبلاً إلى تقنيات استهلاكية يومية تمنح البشر قدرات تتجاوز الحدود الطبيعية.

وتقوم واجهات الدماغ والحاسوب على ربط الدماغ مباشرة بجهاز إلكتروني، مثل الحاسوب، لتجاوز الاتصال التقليدي عبر الجسم. وتعمل هذه الواجهات على التقاط النشاط العصبي وتحويله إلى أوامر رقمية للتحكم بالأجهزة والآلات.

وتوفر هذه التقنية أملاً كبيراً للمصابين بتلف في الأعصاب بين الدماغ والعضلات، إذ يمكن أن تساعد غير القادرين على الكلام في التواصل، أو تمنح المصابين بالشلل القدرة على التحكم بالأجهزة باستخدام التفكير فقط، ما قد يحسن جودة حياة مرضى السكتات الدماغية والتصلب الجانبي الضموري المعروف باسم ALS.

كما يمكن لهذه الأنظمة تحفيز الدماغ بمعلومات من العالم الخارجي، بما يسمح للأشخاص الذين يعانون من فقدان البصر أو السمع باستعادة جزء من قدراتهم الحسية. وفي هذا السياق، تعمل شركات عدة على تطوير تقنيات متقدمة تعتمد على الإشارات الكهربائية أو الموجات الصوتية بدلاً من الأسلاك التقليدية.

ومن بين أبرز الشركات العاملة في هذا القطاع شركة نيورالينك التي أسسها ماسك عام 2016، والتي زرعت شرائح دماغية في أكثر من 20 مريضاً تمكنوا من استخدام الحواسيب وتصفح الإنترنت وتشغيل الألعاب الإلكترونية عبر التفكير. وتسعى الشركة إلى توسيع نطاق استخدام تقنيتها بشكل كبير خلال السنوات المقبلة.

كما تعمل شركة سينكورن، المدعومة من جيف بيزوس و بيل غيتس ، على تطوير تقنيات أقل تدخلاً جراحياً، فيما تحقق شركات صينية تقدماً سريعاً بدعم حكومي متزايد ضمن خطط استراتيجية لتعزيز قطاع واجهات الدماغ والحاسوب.

وشهدت السنوات الأخيرة تطورات لافتة في مجالات استعادة النطق والرؤية. وتمكن باحثون من تطوير أنظمة قادرة على ترجمة “الكلام الداخلي” وتحويل الأفكار إلى كلمات تظهر على الشاشة، فيما طورت شركة “ساينس” شريحة دقيقة فائقة النحافة لاستعادة الرؤية لدى المصابين بأمراض الشبكية.

ورغم هذه التطورات، لا تزال التقنية تواجه تحديات كبيرة، من بينها مخاطر العمليات الجراحية، واحتمالات تراجع كفاءة الزرعات بمرور الوقت، إضافة إلى التكاليف المرتفعة التي قد تصل إلى عشرات آلاف الدولارات لكل عملية زرع.

كما تثير هذه التقنيات مخاوف أخلاقية وقانونية متزايدة تتعلق بخصوصية البيانات العصبية وإمكانية تعرض الأفكار للمراقبة أو الاختراق أو الاستغلال التجاري والسياسي، خصوصاً إذا توسع استخدامها خارج الأغراض الطبية.

ويرى بعض المطورين أن واجهات الدماغ والحاسوب قد تتحول مستقبلاً إلى أدوات استهلاكية مرتبطة بالنظارات أو السماعات الذكية، وربما تسمح بالتواصل مع أنظمة الذكاء الاصطناعي عبر التفكير فقط. لكن خبراء وعلماء لا يزالون يشككون في إمكانية الوصول إلى القدرات الخارقة التي تروج لها بعض التصورات المستقبلية.