استنفار شامل لتأمين شبكات الطاقة الأوروبية بمواجهة تهديدات التخريب والحروب الهجينة

أفادت وكالة بلومبيرغ في تقرير موسع من بروكسل اليوم الجمعة، بأن شبكة الكهرباء في القارة الأوروبية تعيش حالياً حالة من الاستيقاظ القسري على واقع أشبه بظروف الحروب، حيث تندفع الحكومات وشركات الطاقة في سباق مع الزمن لتحصين البنية التحتية ضد هجمات محتملة تشمل العمليات التخريبية، الضربات الصاروخية، والطائرات المسيرة. وفي قلب هذه الجهود، تبرز بولندا كمثال حي، حيث تحلق مروحيات من طراز "روبينسون R66" يقودها قدامى المحاربين فوق خطوط الجهد العالي المحيطة بمحطات الطاقة الاستراتيجية جنوب وارسو، مزودة بكاميرات وأجهزة استشعار فائقة الدقة قادرة على رصد أي عبث بالتربة أو مرور مركبات غير مصرح بها أسفل الخطوط.
وأكدت بلومبيرغ أن هذا الاستنفار الأمني، الذي تقوده شركة "PSE" المشغلة للشبكة البولندية، يأتي في إطار تدابير احترازية مشددة منذ بدء العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا، لضمان استمرار تدفق التيار الكهربائي إلى المنازل والشركات. ويمتد هذا النهج ليشمل معظم دول الجناح الشرقي لأوروبا، حيث لم تعد الشبكات المصممة قديماً قادرة على الصمود أمام التهديدات السيبرانية أو الهجمات الجوية الحديثة، مما دفع حلف شمال الأطلسي (الناتو) لاعتبار البنية التحتية للطاقة أولوية أمنية قصوى، مطالباً بتنسيق أسرع لمواجهة الأزمات.
وفي هذا السياق، صرح جيمس أباثوراي، كبير مستشاري الناتو للدفاعات السيبرانية والهجينة، بأن البيئة الأمنية تزداد سوءاً، مشدداً على أن الطاقة هي الشريان الأساسي للمدنيين والعسكريين على حد سواء، مما يجعلها هدفاً مباشراً في أي صراع. إلا أن هذا التحول نحو "حالة التأهب الدائم" يصطدم بعقبات تمويلية ضخمة، حيث تشير تقديرات الاتحاد الأوروبي إلى الحاجة لنحو 1.2 تريليون يورو /1.4 تريليون دولار لاستثمارها في الشبكات بحلول عام 2040، لتغطية تحديات تقادم الأصول، والتحول للطاقة المتجددة، وتأمين المرافق ضد الهجمات.
وتسعى مجموعات ضغط مثل "Eurelectric" لتخصيص جزء من ميزانيات الدفاع الأوروبية الجديدة، والبالغة 250 مليار يورو/294مليار دولار أمريكي، لحماية البنية التحتية للطاقة. وتستلهم أوروبا هذه الدروس من التجربة الأوكرانية المريرة، حيث تعرضت منشآت الطاقة لاستهداف ممنهج على مدار أربع سنوات، خاصة في الشتاء. كما عززت حوادث تخريبية، مثل حريق كابلات الطاقة في برلين الذي قطع الكهرباء عن 100 ألف شخص في يناير/كانون الثاني الماضي، من ضرورة بناء هياكل مقاومة للقنابل، وطمر الكابلات تحت الأرض، وبناء منشآت وهمية لتضليل المهاجمين.
وتبرز فنلندا حالياً كنموذج ذهبي في الاستعداد للأزمات، بامتلاكها مخزونات استراتيجية تكفي لأشهر، وتوزيع مستودعات قطع الغيار الطارئة في أنحاء البلاد. وعلى صعيد التصنيع، تشهد شركات مثل "هيتاتشي إنرجي" في السويد طلباً هائلاً على المحطات الفرعية المتنقلة والمحولات المضادة للرصاص. وتكشف التحديات عن ضخامة المهمة، إذ تمتد الشبكة الأوروبية لأكثر من 11 مليون كيلومتر، مع وجود 30% من شبكات التوزيع منخفضة الجهد بعمر يتجاوز 40 عاماً، وهو ما يتطلب تحديثاً شاملاً يدمج الحماية المادية والسيبرانية، وفقاً لما نقله تقرير بلومبيرغ.




