في عيد شهداء الصحافة (6 شباط)... لبنان يستحضر الذاكرة ويجدّد التزام حماية حرية الكلمة

في السادس من أيار/مايو من كل عام، يُحيي لبنان ذكرى عيد الشهداء في لبنان، في محطة وطنية تختصر تاريخًا من النضال السياسي والإعلامي معًا، حيث امتزجت تضحيات الصحافيين بذاكرة الاستشهاد في سبيل الحرية. هذا العام، حضرت المناسبة في ظل واقع داخلي مأزوم، ما أضفى على المواقف الصادرة خلال يومي 5 و6 أيار بعدًا يتجاوز الرمزية نحو التشديد على حماية حرية التعبير وصون دور الإعلام.
في مقدمة هذه المواقف، قال رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون: "في السادس من أيار، يقف لبنان بأسره، من أقصى شماله إلى عمق جنوبه، وقفةَ إجلالٍ ووفاء أمام أرواحٍ بذلت الغالي والنفيس ليبقى لنا وطن. إن ذكرى الشهداء ليست مجرد محطةٍ في الروزنامة، بل هي تجديدٌ للعهد بأن التضحيات التي بُذلت لن تذهب سدى".
وأضاف: "نحيي هذه المناسبة اليوم، ووطننا يواجه عواصف وتحديات جسيمة. فالحرب الدائرة تركت جراحاً عميقة في وجداننا، وأسقطت شهداء غالين ستبقى أسماؤهم منارةً في تاريخنا المعاصر". وتابع: "في يوم الشهيد، نخص بالذكر شهداء الصحافة والإعلام. إننا ننظر بفخرٍ واعتزاز إلى الشجاعة التي أبداها إعلامنا اللبناني في مواكبة الأحداث الراهنة. لقد ارتقى من الاعلاميين شهداء أبوا إلا أن ينقلوا بالصوت والصورة حقيقة ما يجري، فدفعوا حياتهم ثمناً لرسالةٍ مقدسة. إن دماء الإعلاميين التي سالت في الميدان هي شاهدٌ حيّ على أن الكلمة في لبنان لا تُهزم، وأن حرية التعبير، التي نريدها حرية مسؤولة وعادلة، هي ركيزة وجودنا التي سنحميها بكل ما أوتينا من قوة".
وأردف: "إن دماء الشهداء، عسكريين ومدنيين وإعلاميين، تضعنا أمام مسؤولية تاريخية. وبصفتي رئيساً للجمهورية، أؤكد أن أولويتنا هي صون وحدة هذا الوطن، وحماية سيادته، والعمل على إنهاء المعاناة التي يرزح تحتها شعبنا. إن الوفاء للشهداء يكون ببناء دولةٍ قوية، عادلة، وقادرة على حماية أبنائها". وختم: "باسم لبنان، احيي عائلات الشهداء الصابرة، ونعاهد بأن يبقى لبنان وطناً للحرية والكرامة".
بدوره، أكد رئيس مجلس النواب نبيه بري في بيان صدر في 6 أيار أن “شهداء الكلمة هم شهداء الوطن”، مشددًا على أن لبنان الذي دفع أثمانًا كبيرة دفاعًا عن حرية الرأي سيبقى متمسكًا بهذا الخيار، وأن حماية حرية الصحافة تشكّل ركيزة أساسية في صون النظام الديمقراطي. وتقاطعت هذه المقاربة مع مواقف رسمية أخرى شددت على أن إحياء الذكرى يجب ألا يقتصر على البعد الاحتفالي، بل أن يُترجم التزامًا فعليًا بحماية الإعلاميين وتعزيز استقلاليتهم في مواجهة التحديات السياسية والاقتصادية.
وفي هذا السياق، جاء بيان وزير الإعلام بول مرقص ليؤكد على البعد المهني والوطني لدور الصحافة، حيث قال:
“في السادس من أيار، نستحضر ذكرى شهداء الصحافة اللبنانية، أولئك الذين دفعوا حياتهم ثمناً للكلمة الحرّة، وللحقيقة التي آمنوا بها ولم يساوموا عليها.
شهداؤنا ليسوا مجرد أسماء في سجلّ الذاكرة، بل هم ضمير هذا الوطن وصوته الحيّ. هم الذين واجهوا القمع والتهديد والعدوان، وتمسّكوا بحق الناس في المعرفة، وبحق لبنان في أن يُروى كما هو، لا كما يُراد له أن يكون.
وفي هذه المناسبة، نتوقف بإجلال أمام شهداء الصحافة اللبنانية الذين سقطوا نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية، أثناء أداء رسالتهم.
إننا إذ نحيّي أرواح جميع شهداء الصحافة اللبنانية، نؤكد أن دماءهم لن تذهب سدى، وأن رسالتهم ستبقى مستمرة في كل صحافي يرفض الخضوع، وفي كل مؤسسة إعلامية تلتزم الحقيقة مهما كانت التحديات، ونقل الخبر الدقيق، الموثوق به، بحرية ومسؤولية ومهنية، بجرأة وبعيداً عن الإثارة والاستفزاز وخطاب الفتنة والتحريض وسائر وجوه الكراهية. كما نتعهّد باستمرار العمل على حماية الإعلاميين، والدفاع عن حريتهم وكرامتهم، ومتابعة كل الجهود الديبلوماسية والقانونية لعدم تكرار الاعتداءات عليهم، وحمل جميع قضاياهم المحقّة”.
وعلى المستوى الحكومي والنيابي، عكست التصريحات الصادرة خلال اليومين الماضيين توجهًا عامًا نحو ضرورة تحديث التشريعات الإعلامية بما يواكب التحولات الرقمية، مع التأكيد على أن حماية الصحافيين لا تقتصر على النصوص، بل تتطلب إرادة سياسية تضمن وقف أي ممارسات قد تُفسَّر على أنها تضييق على حرية التعبير. كما برزت دعوات متكررة إلى إقرار قانون إعلام عصري يوازن بين الحرية والمسؤولية، ويوفّر ضمانات حقيقية للعاملين في القطاع.
أما على المستوى المهني، فقد شددت نقابة محرري الصحافة اللبنانية نقابة محرري الصحافة اللبنانية في بيانها الصادر في 6 أيار على أن “تكريم الشهداء يمرّ عبر حماية الأحياء”، معتبرة أن استمرار الصحافة الحرة في لبنان بات مرتبطًا بقدرة الدولة على توفير بيئة قانونية واقتصادية حاضنة. بدورها، أكدت نقابة الصحافة اللبنانية نقابة الصحافة اللبنانية في بيان صدر في 5 أيار أن المرحلة الراهنة تتطلب تحصين حرية الإعلام في مواجهة الأزمات المتلاحقة، محذّرة من انعكاسات التدهور الاقتصادي على استمرارية المؤسسات الصحافية.
في المقابل، حذّرت مؤسسة مهارات مؤسسة مهارات في بيان أصدرته في 5 أيار من تزايد الضغوط التي يتعرض لها الصحافيون، مشيرة إلى تسجيل حالات استدعاء وتحقيق خلال الفترة الماضية، فيما دعت المفكرة القانونية المفكرة القانونية في بيان بتاريخ 6 أيار إلى وقف الملاحقات التي تطال إعلاميين وناشطين، معتبرة أن حماية حرية التعبير يجب أن تُترجم في الممارسة اليومية.
بين استحضار التضحيات والتأكيد على التحديات، تعكس مواقف هذه المناسبة صورة مركّبة لواقع الإعلام في لبنان. فالإجماع على رمزية شهداء الصحافة يقابله قلق متزايد من الضغوط التي تواجهها الكلمة الحرة، ما يجعل من السادس من أيار محطة سنوية لا للتكريم فقط، بل لإعادة طرح السؤال حول مستقبل حرية الصحافة في بلدٍ طالما اعتُبر منبرًا مفتوحًا في محيط مضطرب.




