الحرب في إيران تعيد تشكيل موازين الطاقة عالمياً وتضع الصين في موقع اقتصادي أكثر استعداداً من واشنطن

تتجه الأنظار إلى تداعيات الحرب في إيران على موازين القوة الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين، في وقت تستعد فيه بكين لاحتمال زيارة دونالد ترامب في منتصف أيار/مايو، وسط تقديرات بأن الرئيس الأميركي سيصل في موقع أضعف مقارنة بآخر لقاء جمعه بالرئيس شي جين بينغ في كوريا الجنوبية قبل ستة أشهر.
وتشير المعطيات إلى أن التوترات الجيوسياسية، خصوصًا في الشرق الأوسط، أعادت تشكيل موازين الاقتصاد العالمي، بعد أن ردّت إيران على الضربات الأميركية–الإسرائيلية بإغلاق شبه كامل لمضيق هرمز، ما تسبب بأحد أعمق الاضطرابات في أسواق الطاقة العالمية.
وأفادت بلومبيرغ أن هذا التطور أدى إلى تداعيات اقتصادية واسعة، دفعت واشنطن إلى تخفيف مؤقت للعقوبات على صادرات النفط من روسيا وإيران، في محاولة لتأمين الإمدادات واستقرار الأسواق.
وتظهر بيانات أن الصين دخلت هذه المرحلة من موقع أكثر استعدادًا، مدعومة بسياسة الاكتفاء الذاتي التي عززها الرئيس شي جين بينغ، خصوصًا بعد أيار/مايو 2023 حين دعا إلى تبني “عقلية أسوأ السيناريوهات” والتحذير من “عواصف خطيرة” قادمة.
ويأتي ذلك بعد صدمات اقتصادية متتالية شملت جائحة كوفيد-19 وتعطّل سلاسل الإمداد العالمية، إضافة إلى الحرب التجارية خلال الولاية الأولى لترامب، التي شهدت فرض رسوم جمركية مرتفعة وإجراءات مضادة من الصين شملت تقييد صادرات المعادن النادرة، بحسب بلومبيرغ.
وتبلغ صادرات الصين من المغناطيسات الأرضية النادرة نحو 2.9 مليار دولار في العام 2024، من أصل إجمالي صادرات يصل إلى 3.6 تريليون دولار، ما يعكس قوة هذا القطاع رغم حجمه المحدود.
النفط وأسواق الطاقة
تعتمد الصين على روسيا بنسبة 17.5% من وارداتها النفطية وعلى السعودية بنسبة 15%، فيما يصل معدل الاكتفاء الذاتي من الطاقة إلى نحو 80%. وتأتي هذه المعطيات في ظل أزمة عالمية مرتبطة بمضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء أساسي من تجارة النفط العالمية، ما أدى إلى اضطرابات حادة في الإمدادات والأسعار.
كما ذكرت بلومبيرغ أن التصعيد في الشرق الأوسط أعاد فتح ملف أمن الطاقة العالمي، خصوصًا مع اعتماد الأسواق بشكل كبير على تدفقات النفط من الخليج، في وقت تسعى فيه الولايات المتحدة إلى إعادة توجيه صادرات الطاقة وتقليص نفوذ الصين في سلاسل الإمداد.
في المقابل، تواجه الولايات المتحدة ضغوطًا لخفض أسعار الوقود، إذ توقع وزير الخزانة سكوت بيسنت أن ينخفض سعر البنزين إلى 3 دولارات للغالون بدءًا من منتصف حزيران/يونيو خلال موسم القيادة الصيفي، أي بتراجع يقارب 25% عن المستويات الحالية.
وتسعى واشنطن إلى تقليص نفوذ الصين عبر سياسات تستهدف النفط الإيراني والفنزويلي، باعتبارها جزءًا من استراتيجية طويلة الأمد لإعادة تشكيل موازين الطاقة العالمية.
لكن استمرار الحرب في إيران قد يزيد الضغوط على الاقتصاد الأميركي في حال ارتفاع أسعار الطاقة وحدوث تباطؤ عالمي ينعكس على الطلب على الصادرات الصينية، وفقًا لبلومبيرغ.
وفي المقابل، ترى بكين أن الأزمة تعزز توجهها نحو الطاقة المتجددة، وهو قطاع تهيمن عليه عالميًا عبر إنتاج الألواح الشمسية والبطاريات والسيارات الكهربائية، ما يمنحها موقعًا أكثر قوة في التحول العالمي للطاقة.
وتشير التطورات إلى أن الصين استفادت من أزمة الطاقة الحالية مقارنة بدول أخرى، مستندة إلى تنويع مصادر الإمداد وإلى سياسة اقتصادية مبنية على “سيناريوهات الطوارئ” التي وضعها شي.
كما تؤكد معطيات بلومبيرغ أن بكين طورت أدوات اقتصادية مسبقة، بينها قانون ضبط الصادرات في العام 2020، وتوسيع أدوات العقوبات الاقتصادية، استعدادًا لأي مواجهة طويلة الأمد مع الولايات المتحدة.
وفي السياق السياسي، تميل الصين إلى تجنب المواجهة العسكرية المباشرة، خصوصًا في ملف تايوان، مفضلة النفوذ السياسي والاقتصادي، وهو ما عكسته التحركات الدبلوماسية الأخيرة مع المعارضة التايوانية.
وتخلص التطورات إلى أن الحرب في إيران لم تعد حدثًا إقليميًا، بل عاملًا رئيسيًا في إعادة تشكيل التوازن الاقتصادي العالمي، مع اتساع الفجوة في أدوات النفوذ بين واشنطن وبكين، بحسب ما أفادت بلومبيرغ.



