استشهاد الصحافية آمال خليل في جنوب لبنان... استهداف إسرائيلي جديد للإعلام تحت النار

استُشهدت الصحافية اللبنانية آمال خليل إثر غارة إسرائيلية استهدفتها مع رفاقها في جنوب لبنان يوم الأربعاء، أثناء قيامها بعملها الميداني لصالح جريدة الأخبار، في حادثة أثارت موجة إدانات رسمية وإعلامية واسعة، وفتحت مجدداً ملف سلامة الصحافيين في مناطق النزاع.
وبحسب ما أفادت به مصادر إعلامية محلية، فإن الغارة استهدفت موقعاً كانت تتواجد فيه خليل مع زملائها خلال تغطيتها لمجريات العدوان الإسرائيلي المستمر في الجنوب، ما أدى إلى استشهادها وإصابة آخرين، وذلك في ظل تصعيد عسكري مستمر في المنطقة، حيث تتعرض بلدات جنوبية لغارات متكررة، ما يعقّد عمل الطواقم الصحافية وفرق الإنقاذ على حد سواء.
تُعرف خليل بكونها من الصحافيات الجادات المحترفات اللواتي واظبن على التغطية الميدانية المباشرة، لا سيما في المناطق الحدودية، حيث عملت على نقل تداعيات التصعيد على المدنيين، وواكبت عن قرب التحوّلات الأمنية والإنسانية في الجنوب اللبناني.
وتميّزت كتاباتها بطابع إنساني، ركّز على قصص الناس في ظل الأزمات، ما جعلها من الأقلام والأصوات الصحافية البارزة في تغطية الشأن الجنوبي.
وفي أولى ردود الفعل، أدان وزير الإعلام بول مرقص الحادثة، معتبراً أن استهداف الصحافيين يشكّل "انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني واعتداءً مباشراً على حرية الإعلام". كما وصف رئيس الحكومة نوّاف سلام ما جرى بأنه "جريمة خطيرة تستدعي تحركاً دولياً عاجلاً"، مشدداً على ضرورة حماية الإعلاميين أثناء تأدية عملهم.
من جهتها، استنكرت نقابة محرري الصحافة اللبنانية الحادثة، معتبرة أنها تمثل "تصعيداً خطيراً في استهداف الصحافيين"، ودعت إلى فتح تحقيق دولي شفاف ومحاسبة المسؤولين. كما نعت مؤسسات إعلامية محلية خليل، مشيدة بشجاعتها المهنية، ومؤكدة أن ما جرى يشكل اعتداءً على حرية الصحافة وحق نقل الحقيقة.
واليوم الخميس، أعرب رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون عن ألمه لاستشهاد الإعلامية آمال خليل، من جراء القصف الإسرائيلي الذي استهدف بلدة الطيري أمس، وأُصيبت فيه أيضًا الإعلامية زينب فرج. ورأى الرئيس عون أن "تعمّد إسرائيل استهداف الإعلاميين بشكل مباشر، هدفه إخفاء حقيقة ارتكاباتها العدوانية ضد لبنان، فضلًا عن كونها جرائم ضد الإنسانية، تُعاقَب عليها القوانين والأعراف الدولية، وتشكل حافزًا لتدخل المجتمع الدولي لوضع حد لها".
وقدّم الرئيس عون تعازيه إلى عائلة الإعلامية الشهيدة التي انضمت إلى قافلة الإعلاميين الشهداء الذين سبقوها على درب الشهادة على أرض الجنوب أيضًا، كما عزّى أسرة جريدة "الأخبار" والأسرة الإعلامية اللبنانية والعربية، سائلًا لها الرحمة ولهم جميعًا الصبر والعزاء. كما تمنى الشفاء العاجل لزميلتها زينب فرج التي أُصيبت في الاعتداء نفسه.
كذلك، دانت نقابة العاملين في الإعلام المرئي والمسموع استمرار استهداف الإعلاميين والصحافيين اللبنانيين، معتبرة أن هذا السلوك يشكل جريمة ممنهجة وانتهاكًا صارخًا لحرية العمل الإعلامي ولكل المواثيق الدولية التي تكفل حماية الصحافيين في أوقات النزاعات. وأكدت أن ما يجري يسيء إلى سيادة لبنان وكرامة أبنائه، ويعكس تماديًا في العدوان في ظل غياب أي رادع أخلاقي أو قانوني.
ونعت النقابة الصحفية أمال خليل من جريدة الأخبار التي استشهدت أثناء عملها، مقدّمة التعازي لعائلتها وزملائها، ومحمّلة المجتمع الدولي مسؤولية الصمت والتواطؤ الذي يتيح استمرار هذه الانتهاكات. كما دعت إلى تعزيز الوحدة الوطنية وخيارات تحمي لبنان وتردع العدوان، معتبرة أن دماء الشهداء يجب أن تدفع نحو ترسيخ السيادة واستعادة الحقوق.
وليس هذا الاعتداء على الإعلام الأوّل من نوعه، إذ سبق أن قتل الجيش الإسرائيلي عدداً من الصحافيين والمصوّرين اللبنانيين ومئات الفلسطينيين في استهدافات خلال فترات العدوان السابقة.
وتشير هذه الجرائم إلى نمط مقلق من المخاطر التي تواجه العاملين في الإعلام، وسط اتهامات متكررة باستهداف مباشر أو غير مباشر للصحافيين أثناء تأدية عملهم.
ويشير خبراء في القانون الدولي إلى أن الصحافيين يُصنّفون كمدنيين بموجب اتفاقيات جنيف، وأن استهدافهم أثناء أداء مهامهم قد يرقى إلى جريمة حرب في حال ثبوت التعمد.
كما يأتي هذا الاعتداء في سياق تصاعد المخاطر التي يواجهها الصحافيون في مناطق النزاع، وسط مطالب متكررة بتعزيز آليات الحماية الدولية ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات.
وتعكس جريمة استهداف الشهيدة آمال خليل واقعاً متفاقماً يعيشه الإعلاميون في مناطق التوتر، حيث بات العمل الصحافي الميداني محفوفاً بمخاطر مباشرة، في ظل غياب ضمانات الحماية الكافية. ورغم ذلك، يواصل الصحافيون أداء دورهم في نقل الوقائع، في مواجهة تحديات أمنية متزايدة.
برحيل آمال خليل، يخسر الإعلام اللبناني صوتاً ميدانياً بارزاً، فيما تبقى قضيتها اختباراً جديداً لقدرة المجتمع الدولي على حماية الصحافيين، وضمان عدم إفلات الجرائم المرتكبة بحقهم من المحاسبة.
وفي عدد جريدة الأخبار الصادر اليوم الخميس، كتب رئيس التحرير إبراهيم الأمين افتتاحية خصّصها لاستشهاد آمال خليل وكتب فيها تحت عنوان "الشاهدة دائماً..." ما يلي:
"في حرب خريف عام 2024، تلقت الزميلة آمال خليل رسالة من رقم مجهول، مكتوبة بلغة عربية ركيكة، لكن مضمونها كان واضحاً جداً: لماذا لا تسافرين إلى قطر حيث يقيم أخوك؟ لماذا تريدين أن يُفصل الرأس عن الجسد؟ لم تكن آمال تستخفّ بالعدو، لكنها كانت حاسمة: هؤلاء يريدون منعي من القيام بعملي، فهل يُفترض أن أستسلم؟
لم يكن ممكناً التعامل مع آمال بمنطق النهي عن العمل في منطقة خطرة. فالتوبيخ بالنسبة إليها كان نوعاً من الإحاطة الإيجابية، لا توصية يجب العمل بها. عنادها الذي عُرفت به كان ينعكس في كل تفاصيل عملها.
في الكتابة، لم تكن تملّ من الإصرار، مراراً وتكراراً، على فكرة ما سبق أن أُزيلت من نصوص سبق أن أرسلتها. وفي التغطية الميدانية، كانت من أوائل من تحدّى تقليد الصحافة المكتوبة عبر إدخال الكاميرا إلى عمله، فحملت مبكراً كاميرا فيديو إلى جانب كاميرا التصوير الثابت من دون تخطيط مسبق أو انتظار قرار. ومع توسّع العمل الرقمي والإنتاج البصري، لم تكن بحاجة إلى دفع أو توجيه، بل بادرت من تلقاء نفسها إلى تطوير أدواتها والبحث عن من يساعدها في عملها، وقدّمت تقارير عديدة بكلفة محدودة للغاية. وكانت آمال تعتقد، صادقة، أنها الأقدر على تقديم صورة دقيقة وشديدة الوضوح عن حقيقة ما يجري في المواجهة مع إسرائيل.
بالنسبة إليها، لم تكن بحاجة يوماً إلى شرح موقفها من العدو. فالمسألة لم تكن مجرد قناعة تشكّلت في سنوات الدراسة أو عبر صداقات عابرة، بل هي جزء من بيئة وتربية يومية يعيشها ساكن الجنوب. وهي لم تغادر الجنوب يوماً، وكانت تتطوّع للعمل في كل مناطق الجنوب، من دون أن تحصر عملها في نطاق جغرافي محدد، ما أتاح لها خلال سنوات طويلة بناء شبكة واسعة من العلاقات والمعارف.
ورغم اختلافها في مراحل متعددة مع سياسيين وفاعليات حزبية وبلديات وجهات رسمية، وحتى مع بعض الزملاء الإعلاميين، بقيت حاضرة دائماً في قلب المشهد، تحاول الوصول إلى أدقّ التفاصيل. وفوق ذلك، كانت تنظر إلى عملها بوصفه مسؤولية في إنتاج صورة قادرة على ترسيخ وعي عام أكثر وضوحاً تجاه الاحتلال.
في العام 2006، بدأت آمال رحلتها الفعلية في الصحافة، مع انطلاقة صحيفة «الأخبار» من رحم الحرب الكبيرة التي استهدفت المقاومة، منذ صدور القرار 1559 وصولاً إلى حرب تموز. لم تكن بحاجة إلى شروحات طويلة حول طبيعة ما يُفترض أن تقوم به؛ فصورة المشهد كانت بالنسبة إليها واضحة منذ اللحظة الأولى.
سرعان ما صنعت لنفسها حضوراً لافتاً ومثيراً للجدل، إلى درجة أن كثيرين باتوا يتحسّبون من مواجهتها. وفي الوقت نفسه، عُرفت بجرأتها في ملاحقة الفاسدين بمختلف مواقعهم، من دون مساومة. ورغم أن موقفها السياسي من المقاومة كان محسوماً وواضحاً، فإن ذلك لم يمنعها من توجيه ملاحظات نقدية متكررة للأداء السياسي والتنموي لحزب الله في الداخل.
عملت آمال في الجنوب بشكل أساسي، لكنها جالت أيضاً في مختلف المناطق اللبنانية، من جبل لبنان إلى البقاع وصولاً إلى الشمال، وكتبت عن أحوال الناس في تفاصيلها اليومية. كما امتد عملها إلى الاغتراب، لا سيما في أفريقيا. وكانت قبل أي سفر، تسأل دائماً عمّا إذا كان يمكن إنجاز عمل صحافي خلال الرحلة، حتى في إطار الإجازات الشخصية.
وفي زيارة لها إلى قطر، حيث يقيم شقيقها، بادرت من تلقاء نفسها إلى طلب لقاء خالد مشعل. تواصلت معه بالفعل والتقته، وسألته عن خلافه مع المقاومة حول سوريا. روى لها حينها روايته، طالباً عدم نشر ما قاله كحديث صحافي أو الإشارة إليه، مبرراً ذلك برغبته في عدم زيادة التوتر. لكنه احتاج سنوات ليدرك أنها لم تكن موفدة، وأن زيارتها إلى قطر لم تكن بهدف الاجتماع به، وأن كل ما في الأمر، أنها رغبت في القيام بعمل صحافي حتى خلال إجازتها.
آمال، التي بقيت إلى جانب عائلتها الصغيرة ولم تغادرها يوماً، لم تسعَ في أي لحظة إلى اكتساب وضعية عامة كالتي يهرع إليها كثير من الإعلاميين. لم تكن تميل إلى الاستعراض، وكانت تدرك أن دورها الحقيقي أن تكون شاهدة على ما يحصل. شاهدة على جرائم الاحتلال، وشاهدة على بطولات المقاومين، وشاهدة على صمود الناس، وشاهدة على تعب الجنوبيين، وشاهدة على فرحهم وحزنهم، وشاهدة على أنه يوجد على هذه الأرض ما يستحق التضحيات!".




