عودة التكنولوجيا الكبرى تدفع الأسواق إلى قمم جديدة

عادت أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى لتلعب الدور الأساسي في دفع مؤشر S&P 500 نحو تسجيل مستويات قياسية جديدة، وفقًا لتقارير نقلتها وكالة بلومبيرغ أمس الأحد ما يعزز قناعة المستثمرين بأن موجة الصعود الحالية لا تزال تمتلك مقومات الاستمرار، حتى في ظل المخاطر الجيوسياسية القائمة.
فإن مؤشر الشركات المعروفة باسم “السبعة الكبار” — والتي تضم عمالقة التكنولوجيا — سجل ارتفاعًا ملحوظًا خلال الفترة الأخيرة، ليعكس تراجعًا سابقًا من الذروة التي بلغها في تشرين الأول/أكتوبر. وقد برز سهم مايكروسوفت بشكل خاص كأحد أبرز الأمثلة على هذا التحول، حيث حقق قفزة قوية بعد فترة من التراجع الحاد.
وتوضح بلومبيرغ أنتشهد أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى انتعاشًا قويًا أعادها لقيادة الأسواق ورفع مؤشر S&P 500 إلى مستويات قياسية.
ورغم المخاطر الجيوسياسية والإنفاق الضخم على الذكاء الاصطناعي، تبقى التوقعات إيجابية مع نمو أرباح قوي وتحسن التقييمات. هذا الانتعاش جاء بعد مرحلة نادرة من الضعف النسبي لهذه المجموعة، التي قادت السوق الأميركية خلال معظم فترة الصعود الممتدة لثلاث سنوات، مدفوعة بحماس المستثمرين تجاه الذكاء الاصطناعي والنمو القوي في الأرباح.
ومنذ أن سجل مؤشر S&P 500 أدنى مستوياته في 30 آذار/مارس 2026، شهد قطاع التكنولوجيا تحوّلًا جذريًا، إذ انتقل من كونه الأسوأ أداءً ضمن مكونات المؤشر إلى الأفضل خلال فترة قصيرة. وارتفع مؤشر “السبعة الكبار” بنحو 20% منذ ذلك الحين، معوضًا خسارة بلغت حوالي 17% من ذروته في تشرين الأول.
ويُعد أداء مايكروسوفت مثالًا واضحًا على هذا التحول، حيث ارتفع سهمها بنحو 19% بعد أن كان قد تراجع بنسبة 34% بين أواخر تشرين الأول وأواخرآذار، ما يعكس حجم التقلبات التي شهدها القطاع قبل عودته القوية.
ويشير محللون، إلى أن مؤشر S&P 500 لا يمكنه تحقيق ارتفاعات مستدامة دون دعم من قطاع التكنولوجيا، الذي يشكل المحرك الأساسي للأداء العام للسوق.
وفي هذا السياق، جاءت أكثر من نصف مكاسب المؤشر الأخيرة من سبع شركات فقط، هي إنفيديا، أمازون، مايكروسوفت، برودكوم، ألفابت، ميتا، وآبل، والتي تمكنت مجتمعة من إضافة نحو 4 تريليونات دولار إلى قيمتها السوقية خلال أسابيع قليلة، في تحول سريع لافت.
ويرى بعض مديري الاستثمار أن هذا الارتفاع السريع يعكس إلى حد كبير ما يُعرف بـ”تجارة اللحاق” وإعادة تموضع المستثمرين، أكثر من كونه نتيجة تغيرات جوهرية في أساسيات الشركات خلال هذه الفترة القصيرة.
ورغم هذا الأداء القوي، لا تزال البيئة الاقتصادية الكلية تحمل العديد من التحديات، إذ تستمر التوترات في الشرق الأوسط، مع بقاء أسعار النفط عند مستويات مرتفعة نسبيًا، ما يساهم في استمرار الضغوط التضخمية.
ومع ذلك، واصل كل من مؤشر S&P 500 ومؤشر ناسداك 100 — الذي تهيمن عليه شركات التكنولوجيا — تسجيل مستويات قياسية جديدة، ما يعكس ثقة الأسواق وقدرتها على تجاوز هذه المخاطر في المدى القصير.
ويؤكد محللون أن استمرار تفوق شركات التكنولوجيا، وخاصة الشركات الضخمة التي تُعرف بالـ”Hyperscalers” والمسؤولة عن البنية التحتية للحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، سيبقى عاملًا إيجابيًا رئيسيًا لأداء السوق.
وكانت هذه الشركات قد تعرضت في الفترة السابقة لضغوط نتيجة مخاوف متزايدة في وول ستريت بشأن حجم الإنفاق الرأسمالي المتسارع لدعم تقنيات الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى التساؤلات حول توقيت تحقيق العوائد من هذه الاستثمارات الضخمة.
ولا تزال هذه المخاوف حاضرة، إذ أظهرت بيانات حديثة أن صناديق التحوط قامت ببيع أسهم التكنولوجيا الأميركية بوتيرة هي الأسرع منذ أكثر من خمس سنوات، مع تسجيل معظم القطاعات الفرعية للتكنولوجيا تدفقات خارجة، خصوصًا قطاع البرمجيات.
لكن في المقابل، ساهم هذا التراجع في جعل تقييمات أسهم التكنولوجيا أكثر جاذبية مقارنة بما كانت عليه قبل بضعة أشهر. فباستثناء شركة تسلا، يتم تداول شركات “السبعة الكبار” عند نحو 24 ضعف الأرباح المتوقعة، انخفاضًا من حوالي 29 ضعفًا في تشرين الأول، وهو مستوى قريب من تقييم السوق الأوسع.
وفي الوقت نفسه، تشير التوقعات إلى استمرار قوة نمو الأرباح لدى هذه الشركات، مع إمكانية تحسن العوائد المرتبطة باستثمارات الذكاء الاصطناعي تدريجيًا، ما يعزز من جاذبيتها الاستثمارية.
وتشير تقديرات السوق بحسب بلومبيرغ إلى أن مؤشر S&P 500 قد يصل إلى مستويات أعلى خلال الأشهر المقبلة، مدعومًا بشكل رئيسي بأداء شركات التكنولوجيا الكبرى.
كما تتوقع وول ستريت أن تسجل هذه الشركات نموًا في الأرباح بنسبة تقارب 19% خلال العام الحالي، مقارنة بنحو 17% لبقية شركات المؤشر، على أن تتسع هذه الفجوة في عام 2027 مع تسارع نمو أرباح شركات التكنولوجيا.
ويرى محللون أن المخاوف المتعلقة بتأثير الإنفاق الرأسمالي على التدفقات النقدية بدأت تتراجع تدريجيًا، خاصة في ظل استمرار هذه الشركات في تحقيق مستويات ربحية مرتفعة وتوليد سيولة قوية.
ومع ذلك، يبقى حجم الإنفاق على الذكاء الاصطناعي مصدر قلق رئيسي، إذ من المتوقع أن تنفق أربع من أكبر الشركات — أمازون، مايكروسوفت، ألفابت وميتا — أكثر من 618 مليار دولار على النفقات الرأسمالية في عام 2026، مقارنة بـ376 مليار دولار في العام السابق.
ولا تزال بعض الأسهم، مثل مايكروسوفت، تواجه ضغوطًا نتيجة مخاوف تتعلق بنمو أعمال الحوسبة السحابية، وارتفاع مستويات الإنفاق، إضافة إلى المنافسة المتزايدة من شركات ناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي.
ومع ذلك، يرى بعض المستثمرين أن هذه التطورات — بما في ذلك التقدم الذي تحققه شركات مثل Anthropic — لا تمثل فقط مصدر تهديد، بل أيضًا دليلًا على جدوى الاستثمارات الضخمة في هذا المجال.
كما أن اعتماد شركات أخرى على الذكاء الاصطناعي لتحسين الكفاءة وخفض التكاليف يعزز القناعة بأن هذه التكنولوجيا قد تحقق عوائد كبيرة في المستقبل.
وفي المحصلة، حتى في غياب أرباح فورية كبيرة من استثمارات الذكاء الاصطناعي، تظل شركات التكنولوجيا الكبرى جذابة للمستثمرين، بفضل مواقعها السوقية القوية وتقييماتها الأكثر اعتدالًا مقارنة بالفترة السابقة، ما يدعم النظرة الإيجابية لأدائها خلال الفترة المقبلة.



