رؤية السعودية الكبرى تصطدم بكلفة الحرب وتباطؤ المشاريع

تشهد خطة السعودية الطموحة لتغيير اقتصادها عبر “رؤية 2030” ضغوطاً مالية وجيوسياسية متزايدة، مع تصاعد كلفة الحرب مع إيران وتباطؤ عدد من المشاريع العملاقة، ما يضع أبرز رهانات ولي العهد محمد بن سلمان أمام اختبار مباشر لجدوى التحول الاقتصادي.
وقالت صحيفة وول ستريت جورنال في تقرير نُشر أمس الأحد إن الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران انعكست بشكل مباشر على السعودية، بعدما أدى إغلاق مضيق هرمز إلى خفض صادرات النفط السعودية إلى نحو نصف طاقتها الإنتاجية. كما أغلقت المملكة معظم الحقول البحرية، وأوقفت تشغيل أحد أكبر مصانع البتروكيماويات في العالم هذا الأسبوع، في واحدة من أبرز تداعيات التصعيد الإقليمي على قطاع الطاقة.
وأضافت الصحيفة أن مئات الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية الإيرانية التي استهدفت السعودية أدت إلى تراجع صورة المملكة كوجهة آمنة للاستثمار والسياحة، رغم اعتراض معظمها. وتبعت ذلك سلسلة إلغاءات لفعاليات كبرى، بينها سباق فورمولا 1، ومنتدى أسواق المال، وفعالية كرة قدم أميركية بمشاركة توم برادي. كما أوقفت “فيرجن أتلانتيك” رحلاتها اليومية إلى الرياض، وطلبت شركات أميركية كبرى من موظفيها العمل من المنزل لعدة أيام، فيما أُغلقت مؤقتاً مناطق أعمال وأبراج مكاتب في الرياض، بينها حي الملك عبد الله المالي، بعد تهديدات إيرانية ضد شركات أميركية.
وتشير وول ستريت جورنال إلى أن الحرب كلّفت السعودية بالفعل أكثر من 10 مليارات دولار من الإيرادات والنفقات، في وقت لم ترد فيه الحكومة السعودية على طلبات التعليق.
المشاريع العملاقة تحت المراجعة
وبحسب الصحيفة، فإن معظم مشاريع “رؤية 2030” باتت اليوم قيد مراجعة شاملة، وهي عملية بدأت قبل الحرب لكنها تسارعت لاحقاً. وفي مشروع نيوم، كانت الخطط تتضمن مدينتين متوازيتين بناطحتين بارتفاع 1600 قدم تمتدان على طول 106 أميال، إلا أن المسؤولين خفّضوا الطموحات بصمت، تاركين خلفهم خندقاً بطول 75 ميلاً في الصحراء.
كما ألغت نيوم عقوداً رئيسة في مشروع جبلي فاخر بقيمة 38 مليار دولار كان من المفترض أن يكون أول منتجع تزلج خارجي في الخليج، ما يفتح احتمال التخلي عن منشآت قيد الإنشاء، من بينها سد بقيمة 5 مليارات دولار اكتمل بنسبة 30% فقط.
وفي الرياض، توقفت أعمال الحفر عند مشروع “المكعب”، وهو مبنى ضخم كان سيحتضن ما يعادل 20 مبنى إمباير ستيت داخل هيكل واحد، بعد حفر حفرة بعرض ربع ميل.
كما خفّض صندوق الاستثمارات العامة، الذي تبلغ قيمته نحو تريليون دولار, الإنفاق والتوظيف في عدة قطاعات، وباع جزءاً كبيراً من محفظته الأميركية حتى قبل الحرب، فيما طلب في ديسمبر من عائلات ثرية ومديري صناديق وشركات محلية ضخ مزيد من السيولة في المشاريع السعودية، مع تقليص الإنفاق الحكومي على السفر والإقامة في الخارج.
تحول في التمويل والاقتصاد
وأوضحت وول ستريت جورنال أن ولي العهد محمد بن سلمان يدفع باتجاه إعادة هيكلة الاقتصاد نحو قطاعات جديدة تشمل السياحة والتعدين ومراكز البيانات، إلا أن حجم التمويل لم يكن كافياً لمواكبة الطموحات الضخمة للمشاريع.
وبحسب التقرير، بلغت الاستثمارات الأجنبية في السعودية نحو 35.5 مليار دولار في 2025، وهو رقم بعيد جداً عن الهدف السنوي البالغ 100 مليار دولار. كما ارتفع الدين العام إلى نحو 400 مليار دولار، أي ما يعادل 32% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بـ12% قبل عقد.
في المقابل، تشير البيانات إلى بعض المكاسب، إذ أصبح القطاع غير النفطي يشكل أكثر من 50% من الناتج المحلي الإجمالي، مع ارتفاع مشاركة النساء في سوق العمل وتوسع القطاع الخاص، إضافة إلى تقدم مشاريع مثل مترو الرياض والسياحة الداخلية.
المعادلة المفتوحة
وترى وول ستريت جورنال أن أي وقف لإطلاق النار قد لا ينهي حالة القلق، إذ يخشى مسؤولون من استمرار قدرة إيران على التأثير في مضيق هرمز، ما يبقي المستثمرين في حالة تردد طويل الأمد.
وقال وزير المالية محمد الجدعان إن المملكة لا تتردد في إلغاء أو تعديل أي مشروع إذا لم يعد مجدياً “من دون أن ترمش”، في إشارة إلى مرونة الحكومة في التعامل مع المشاريع العملاقة.



