سويسرا تصوّت على مقترح يميني لخفض تمويل هيئة البث العامة

تستعد سويسرا الشهر المقبل لإجراء تصويت على مبادرة تدعو إلى خفض تمويل هيئة البث العامة «إس آر جي»، في خطوة يقول مؤيدوها إنها ستوفر أموالاً على الأسر السويسرية، بينما يرى معارضوها أنها تعكس ضغوطاً متزايدة من التيارات اليمينية على مؤسسات الإعلام العام حول العالم، بحسب ما أفادت به رويترز اليوم الأربعاء.
وتواجه هيئات البث الوطنية في أوروبا تحديات متصاعدة في ظل تراجع نسب المشاهدة واحتدام المنافسة وتقلص مصادر الإيرادات، ما جعلها عرضة لانتقادات من جماعات يمينية تتهمها بالتحيز السياسي. في المقابل، يعتبر داعمو هذه المؤسسات أنها تمثل صوتاً مستقلاً قادراً على محاسبة أصحاب النفوذ، وأن محاولات تقليص تمويلها تهدف إلى إضعاف دورها الرقابي.
ويقضي المقترح، الذي تدعمه عدة جهات من بينها حزب الشعب السويسري اليميني، بخفض الرسم السنوي الإلزامي لتمويل «إس آر جي» من 335 فرنكاً سويسرياً (نحو 433 دولاراً) إلى 200 فرنك (نحو 259 دولاراً). ويقول المؤيدون إن هذا التخفيض سيخفف العبء المالي عن المواطنين، خصوصاً في ظل التحولات الرقمية في استهلاك المحتوى الإعلامي.
ويشير أنصار المبادرة إلى أن فئة الشباب باتت نادراً ما تعتمد على قنوات وإذاعات «إس آر جي»، مفضلة وسائل التواصل الاجتماعي وخدمات البث التدفقي. وقال النائب توماس ماتر إن العمل الصحفي للهيئة يتسم بانحياز سياسي نحو اليسار، وهو ما ترفضه «إس آر جي» بشكل قاطع، مؤكدة التزامها بمعايير تحريرية صارمة، ومستشهدة بدراسة أعدتها جامعة زيورخ خلصت إلى أن تغطيتها لا تميل بشكل منهجي إلى أي من الاتجاهين السياسيين.
ومن المتوقع أن يكون تصويت الثامن من آذار/مارس متقارباً، إذ أظهر استطلاع حديث أجرته مؤسسة «جي إف إس برن» أن 46% يؤيدون خفض التمويل مقابل 52% يعارضونه، ما يعكس انقساماً واضحاً في الرأي العام وفقًا لرويترز.
وتدير «إس آر جي» 17 محطة إذاعية وسبع قنوات تلفزيونية تبث بأربع لغات رسمية، وتبلغ ميزانيتها السنوية نحو 1.5 مليار فرنك (قرابة 1.94 مليار دولار). وتحذر الهيئة من أن تقليص هذا التمويل سيؤدي عملياً إلى إنهائها بصيغتها الحالية، مع تقليص واسع في البرامج والخدمات.
ووفق دراسة صادرة عن مركز «باك إيكونوميكس»، فإن تمرير المبادرة قد يؤدي إلى فقدان نحو نصف الوظائف البالغ عددها 5,479 وظيفة. وكانت الهيئة قد أعلنت بالفعل عن خطط لخفض التكاليف، مشيرة إلى أن أي تقليص إضافي سيؤثر بشكل جذري على محتواها وانتشارها.
ضغوط متنامية على الإعلام العام
ويأتي الجدل السويسري في سياق أوسع يشمل نقاشات مشابهة في بريطانيا حول تمويل هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، التي تواجه تدقيقاً متزايداً واتهامات بالتحيز من أطراف سياسية متعددة. ويدعو حزب «ريفرم يو كيه» اليميني إلى إلغاء رسم الترخيص السنوي البالغ 174.50 جنيهاً إسترلينياً (نحو 235.33 دولاراً) الذي يمول «بي بي سي»، معتبراً أن المؤسسة بحاجة إلى تقليص حجمها.
وفي الولايات المتحدة، تواجه «بي بي سي» دعوى قضائية بقيمة 10 مليارات دولار رفعها الرئيس دونالد ترامب على خلفية تعديل مقطع من خطاب له عام 2021 بما أعطى انطباعاً بأنه دعا إلى اقتحام مبنى الكابيتول. وقد اعتذرت الهيئة وأقرت بخطأ في التقدير، لكنها أكدت عدم وجود أساس قانوني للدعوى.
كما وقع ترامب أمراً تنفيذياً لخفض تمويل مؤسستي «إن بي آر» و«بي بي إس» الأميركيتين، في خطوة اعتبرها منتقدون جزءاً من توجه أوسع لمعاقبة مؤسسات إعلامية ترى إدارته أنها تعارض أجندته السياسية.
ونقلت رويترز ان ألمانيا والنمسا، تطالبان أحزاب يمينية متطرفة بإلغاء رسوم الترخيص الوطنية، متهمتين هيئات البث الرسمية بالميل إلى اليسار. ويرى أكاديميون أن اتهام الإعلام العام بالتحيز بات أداة متكررة تستخدمها تيارات شعبوية لإضعافه وفتح المجال أمام منصات بديلة.
في المقابل، تحذر الحملة المعارضة لخفض تمويل «إس آر جي» من أن تقليص دورها قد يشجع على انتشار المعلومات المضللة، مؤكدة أن الهيئة تسهم في توحيد سويسرا عبر البث بلغاتها الرسمية الأربع، وتشكل خط دفاع مهماً في مواجهة التضليل الإعلامي في عصر تتزايد فيه الأخبار الزائفة.




