سلام في الجنوب: إعادة إعمار وتعافٍ وبسط للسيادة

نواف سلام من كفرشوبا (الوكالة الوطنية)
اختتم رئيس مجلس الوزراء الدكتور نواف سلام جولة جنوبية امتدّت على يومين، شملت عددًا من القرى والبلدات الحدودية ومدينة النبطية، أكد خلالها التزام الدولة اللبنانية الحضور الدائم إلى جانب المواطنين، وعدم تركهم وحدهم في مواجهة الدمار والتحديات، مشددًا على أن مسار التعافي الوطني يقوم على ثلاثة محاور متكاملة: الإغاثة، إعادة الإعمار، والإنماء الاقتصادي والاجتماعي، بالتوازي مع بسط سيادة الدولة عبر القانون والمؤسسات والخدمات.
مرجعيون: الدولة تعود بالمشاريع والمؤسسات
من سرايا مرجعيون، أعلن الرئيس سلام العمل على النهوض بقضاء مرجعيون من خلال إطلاق مشاريع إنمائية وخدمية، معربًا عن أمله بأن يصبح لبنان بأكمله على صورة هذه البلدة. وأشار إلى أن الدولة غابت طويلًا عن الجنوب في مراحل سابقة، لكنها اليوم تسعى إلى استعادة حضورها الكامل، مؤكدًا أن بسط السيادة لا يتحقق فقط من خلال الجيش، رغم الاعتزاز بدوره ومسؤولياته، بل عبر القانون والمؤسسات، وما تقدّمه الدولة للناس من حماية اجتماعية وخدمات أساسية.
وأوضح سلام أن الحكومة تعمل على مسارات متكاملة، تشمل استمرار الإغاثة وتأمين الإيواء، وبدء إعادة الإعمار انطلاقًا من البنى التحتية، في رسالة واضحة على جدية عودة الدولة إلى هذه المنطقة.
بدوره، شدّد النائب علي حسن خليل على أهمية دور الدولة في رعاية عودة الأهالي، رغم المحاولات الإسرائيلية المتكررة لقتل إرادة الحياة في القرى الأمامية. فيما دعا النائب الياس جرادة إلى ضرورة استعادة الحكومة ثقة الجنوبيين، واعتبر النائب فراس حمدان أن زيارة الرئيس سلام تعبّر عن حرصه على تعزيز العلاقة المباشرة مع أبناء الجنوب.
كفركلا: بلدة منكوبة وخطة لإعادة التأهيل
وفي بلدة كفركلا، وصف الرئيس سلام الوضع بالمنكوب، معلنًا العمل على إعادة تنظيم البلدة وتأهيل بنيتها التحتية لتأمين عودة الأهالي. وأكد أن إعادة تأهيل الطرق ومدّ شبكات الاتصالات ستبدأ خلال الأسابيع المقبلة، مشددًا على أن زيارة الحكومة تهدف إلى التأكيد أن الدولة، بكل أجهزتها، تقف إلى جانب القرى المتضررة.
ولفت إلى أن وضع كفركلا يُعدّ من الأصعب مقارنة بغيرها، نتيجة الانتهاكات اليومية المستمرة وقربها من الحدود، مؤكدًا تخصيص مبالغ لإعادة تأهيل البنى التحتية بما يسهّل عودة السكان إلى منازلهم.
كفرشوبا: عنوان الصمود وحقوق العرقوب
ووصل الرئيس سلام إلى بلدة كفرشوبا وسط استقبال حاشد من أهالي منطقة العرقوب والفعاليات المحلية والاجتماعية، حيث شدّد على أن كفرشوبا تمثّل عنوان الصمود، وأن الدولة تدرك تمامًا حجم المعاناة التي عاشها أبناء العرقوب من عدوان وحرمان وإهمال على مدى سنوات طويلة.
وأكد أن لأهالي المنطقة حقوقًا ثابتة على الدولة اللبنانية، معلنًا متابعة مشاريع مدروسة أبرزها طريق سوق الخان–شبعا لما له من أهمية حيوية، إلى جانب ملف الصرف الصحي، واستكمال تأهيل وترميم المدارس الرسمية، بما يضمن بيئة تعليمية لائقة للأبناء.
النبطية: إعادة إحياء الاقتصاد والكرامة
وفي ختام جولته، زار الرئيس سلام مدينة النبطية، في ثاني زيارة له خلال أقل من عام بعد انتهاء عدوان الـ66 يومًا، وشارك في الاحتفال الحاشد الذي أُقيم على ملعب المدينة لافتتاح سوق “البيدر” المؤقت، وهو مبادرة أهلية إنسانية أطلقها أبناء النبطية دعمًا للعائلات التي فقدت مصادر رزقها عقب تدمير سوق النبطية التاريخي بالغارات الجوية الإسرائيلية في 12 تشرين الأول/أكتوبر 2024.
ويهدف المشروع إلى إعادة إحياء سبل العيش من خلال إنشاء سوق مؤقت ومجاني يضم أكثر من 80 محلًا تجاريًا ضمن مساحة محدودة، يتيح للتجار المتضررين استئناف نشاطهم بكرامة، ريثما تتم إعادة بناء السوق الأساسي، ضمن إطار يراعي مبادئ الاستدامة والبعد البيئي.
وخلال الاحتفال، أُلقيت كلمات شددت على أهمية المشروع في تخفيف معاناة الأهالي والتجار، وعلى صمود مدينة النبطية في وجه الدمار. وفي كلمته، أكد الرئيس سلام أن النبطية دفعت ثمنًا كبيرًا وقاسيًا، لكن الدمار لم يكسر روحها ولا نبضها، معتبرًا أنها ليست فقط عاصمة إدارية، بل قلب اقتصادي واجتماعي وثقافي للمنطقة.
وأشار إلى أن إعادة السوق في النبطية ليست مسألة محلية، بل شأن يعني الجنوب بأكمله، لما لها من دور في إعادة تحريك العجلة الاقتصادية، وتنشيط المهن الصغيرة، وتثبيت الناس في أعمالهم وربط القرى بشريان اقتصادي واحد. وأكد أن السوق الأساسي أولوية، وستعمل الحكومة بالتعاون مع بلدية النبطية ووزارة الثقافة وسائر الجهات المعنية لإعادته بطابع تراثي يحفظ هوية المدينة وتاريخها.
لقاءات رسمية وتعهدات حكومية
وعقب الاحتفال، زار الرئيس سلام والوزراء مبنى بلدية النبطية، حيث عُقد لقاء مع النواب ورؤساء البلديات، أكد خلاله أن الحكومة، رغم اختلاف الآراء حول بعض السياسات، تجمع بالإجماع على الالتزام بتنفيذ وقف الأعمال العدائية الذي أُقر في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، والعمل على حشد الطاقات العربية والدولية لتثبيته.
كما أوضح أن عدم إدراج النبطية في قرار إعفاءات المياه والكهرباء والهاتف حصل سهوا، ويتطلب تعديلًا أو قانونًا جديدًا من مجلس النواب، مؤكدًا التزام الحكومة بتنفيذ أي قانون يصدر. وأعلن العمل على استكمال مبنى سرايا النبطية الجديدة، ومعالجة موضوع انقطاع التيار الكهربائي، واستكمال أوتوستراد النبطية–مرجعيون قريبًا.
لمحة من جولة الأمس: مسار متكامل للتعافي
وكان الرئيس سلام قد استهل جولته الجنوبية أمس من يارين وطير حرفا، حيث أكد أن الدولة لن تترك الناس وحدهم، ولن تجعل النزوح قدرًا دائمًا. وأعلن بدء تنفيذ حزمة مشاريع إنمائية وخدمية تشمل إعادة تأهيل الطرق، ومدّ شبكات الاتصالات والمياه، وإعادة بناء المدارس المتوسطة، ودعم الخيم الزراعية.
كما أشار إلى تأمين تمويل محلي ودولي لإعادة الإعمار، من بينها 250 مليون دولار قروض ميسّرة من البنك الدولي، و75 مليون يورو (88.6 مليون دولار أميركي) من الوكالة الفرنسية، مؤكدًا أن كرامة النازحين ودعم العائدين أولوية لا تنتظر توقف الاعتداءات، وأن الدولة موجودة لتبقى، لا لتزور وترحل.
سعر الصرف 1 يورو ≈ 1.18 دولار أميركي



