توقف تقني لدقيقتين يهز ثقة المتداولين بسوق الغاز الأميركي

أثار خلل تقني استمر دقيقتين فقط في سوق العقود الآجلة للغاز الطبيعي في الولايات المتحدة موجة غضب واسعة بين المتداولين، بعدما تسبب، بحسب تقديراتهم، بخسائر مالية وشكوك عميقة حول نزاهة آلية التسعير في أحد أهم أسواق السلع. وذكرت وكالة بلومبيرغ أن الحادثة وقعت خلال جلسة إغلاق قياسية التقلبات في السابع والعشرين من كانون الثاني، عندما فرضت بورصة نيويورك التجارية “نايمكس” وقفاً استثنائياً للتداول أطول بكثير من المدة المعتادة.
وبحسب ما نقلته بلومبيرغ، جاء التوقف خلال اندفاعة تاريخية في أسعار عقود الغاز الآجلة، إذ كان من المفترض أن يستمر القاطع الآلي للتداول خمس ثوانٍ فقط، لكنه امتد لدقيقتين كاملتين عند لحظة الإغلاق، ما أدى إلى تشويه سعر التسوية وإرباك المتعاملين الذين كانوا أصلاً تحت ضغط توقعات الطلب المرتفعة بفعل موجة الطقس البارد. ويُعد هذا التوقف التاسع من نوعه خلال أقل من يوم واحد، في مؤشر على حدة التقلبات التي ضربت السوق.
وقال جورج كولتراو، رئيس تداول السلع العالمية في بنك أوف أميركا، في تصريحات نقلتها بلومبيرغ، إن ما جرى “لم يعمل بالطريقة التي كان ينبغي أن يعمل بها”، مضيفاً أن التأثير الاقتصادي للحادثة كان على الأرجح كبيراً. وأشارت الوكالة إلى أن مقابلات مع عشرة متداولين أظهرت أن بعض المستثمرين تكبدوا خسائر مباشرة، فيما خرج آخرون بقلق عميق حيال سلامة السوق وثقة التسويات.
وأوضحت بلومبيرغ أن مجموعة CME المالكة لبورصة نايمكس أبلغت المتداولين بوجود “خطأ تقني” تسبب في إطالة أمد القاطع الآلي، لكنها امتنعت عن توضيح أسباب الخلل أو حجمه الفعلي على المستثمرين. في المقابل، قالت هيئة تداول السلع الآجلة الأميركية إن تحركات السوق بدت “منسجمة مع تقلبات العرض والطلب الأخيرة”، مؤكدة أنها تواصل تقييم النشاطات المرتبطة بالتداول في تلك الفترة.
ويأتي هذا الجدل في وقت يشهد فيه سوق الغاز الطبيعي الأميركي تقلبات غير مسبوقة، مع تسارع صادرات الغاز الطبيعي المسال وازدياد الطلب المرتبط بطفرة الذكاء الاصطناعي، وفق ما أوردته بلومبيرغ. فقد ارتفعت أسعار العقود الآجلة بنسبة 119 في المئة بين العشرين والسادس والعشرين من كانون الثاني، وهو أعلى ارتفاع للفترة نفسها منذ خمسة وثلاثين عاماً، قبل أن تسجل السوق في الأسبوع التالي أكبر انهيار يومي من حيث النسبة المئوية منذ ثلاثين عاماً.
وامتد أثر الفوضى إلى سوق الخيارات، حيث أوضحت بلومبيرغ أن عشرات الآلاف من الرهانات عالية المخاطر وُضعت على احتمال إغلاق سعر الغاز فوق سبعة دولارات أميركية لكل مليون وحدة حرارية بريطانية. ولو استقر السعر عند مستوى يقارب سبعة دولارات وعشرين سنتاً أميركياً، كما كانت تشير أوامر البيع والشراء أثناء التوقف، لكان ذلك كفيلاً بتحقيق أرباح قد تصل إلى أربعين مليون دولار أميركي لرهانات كانت شبه معدومة القيمة في منتصف كانون الثاني. إلا أن سعر التسوية استقر عند ستة دولارات وخمسة وتسعين سنتاً أميركياً، ما جعل تلك الخيارات بلا قيمة.
وأشارت بلومبيرغ إلى أن أحد المستثمرين المتضررين تقدم بشكوى إلى مجموعة CME، حيث أُبلغ بإمكانية رفع شكوى رسمية للمطالبة بالتعويض، غير أن إثبات ما كان سيحدث خلال الدقيقتين لو لم يتجمد التداول يُعد أمراً بالغ الصعوبة، ما يجعل استرداد الخسائر احتمالاً ضعيفاً.
ورغم أن الخلل التقني كان العامل الأبرز في تلك الجلسة، ترى بلومبيرغ أن تكرار تفعيل القواطع الآلية يكشف مشكلة أعمق تتعلق بانخفاض السيولة مع اقتراب العقود من تاريخ الاستحقاق. ففي الأسواق الشحيحة السيولة، قد تؤدي تحركات محدودة إلى تقلبات حادة، خصوصاً إذا تركزت خلال نافذة التسوية، وهو ما قد ينعكس على أسواق أخرى مرتبطة.
ونقلت بلومبيرغ عن آدم سين، الرئيس التنفيذي لصندوق التحوط “أسباير كوموديتيز”، قوله إن عقود الغاز الطبيعي الآجلة لا تُعد مجرد أداة مالية، بل تمثل مرجعاً لتسعير استهلاك الغاز وتحديد أسعار عقود الكهرباء الشهرية التي تؤثر مباشرة في فواتير الطاقة للأميركيين، مشدداً على أن شرعية عملية التسوية أمر لا يمكن التقليل من أهميته.
وبحسب متداولين تحدثوا إلى بلومبيرغ، فإن القيود التنظيمية المفروضة على عدد العقود التي يمكن للمتعامل الواحد حيازتها تسهم أيضاً في تفاقم المشكلة، إذ تحد من مشاركة المتداولين الأصغر حجماً، بينما تمنح الصناديق الكبرى ذات رؤوس الأموال الضخمة نفوذاً أكبر في لحظات الجفاف في السيولة، ما يزيد من حدة التقلبات ويقوض ثقة السوق.




