الجلسة الثانية لمناقشة موازنة 2026 في لبنان: مطالب بإصلاح شامل واستثمارات خاصة



مجلس النواب اللبناني في جلسته الثانية لإقرار موازنة 2026 (وطنية)
شهد مجلس النواب اللبناني لليوم الثاني على التوالي جلسة حامية ومطوّلة لمناقشة وإقرار موازنة العام 2026، برئاسة رئيس المجلس نبيه بري وبحضور رئيس الحكومة نواف سلام، الذي وصل إلى المجلس للمشاركة الفاعلة في الجلسة. الجلسة تميزت بتنوع المواقف وتباين آراء النواب حول مختلف جوانب الموازنة، من الالتزام الدستوري والواقع المالي إلى الأولويات الإصلاحية والخدمية، وسط أجواء سياسية مشحونة بين الانتقاد والدعم المشروط للحكومة الحالية.
ومع وصول رئيس الحكومة نواف سلام إلى مجلس النواب، أبدى بعض النواب دعمهم للحكومة مع التأكيد على أن هذا الدعم مشروط بالإصلاح والشفافية. النائب وضاح الصادق أكد قبل دخول القاعة الثقة بالحكومة ورئيس الجمهورية، لكنه شدد على الحاجة إلى تعديلات كبيرة في قانون الفجوة المالية، مشيرًا إلى وجود ملاحظات على الموازنة، مع اتفاق جزئي على بعض ما قاله النائب عدوان. وأكد الصادق على أن مجلس النواب يجب أن يلعب دوره الرقابي، مشددًا على رفض أي خطاب تحريضي مثل خطاب قاسم، ومؤكدًا أن الرئيس بري موثوق في هذا الصدد.
بدوره، قال النائب راجي السعد من كتلة "اللقاء الديمقراطي" إن النقاشات أصبحت مركّزة على مسائل شكلية بدل العمل على موازنة دولة حقيقية، مشيرًا إلى أن البلد يحتاج إلى ثقة حقيقية، وليس مجرد حلول ظرفية، مع الإشارة إلى أن لجنة المال اضطرت للقيام بما كان يفترض أن تقوم به الحكومة.
القضايا الاقتصادية والمالية
النائب نعمة افرام ركّز على الأداء المالي للدولة، واصفًا الدولة اللبنانية بأنها “رب عمل فاشل في الإدارة”، داعيًا إلى جهود كبيرة لاستعادة رؤوس الأموال إلى لبنان. وأشار إلى معاناة المتقاعدين في القطاعين العام والخاص، مؤكّدًا أن التعويضات نهاية الخدمة يجب التعامل معها كسلم وديعة أساسية، مع تذكير بأن موظفي القطاع العام يعيشون غالبًا براتب لا يتعدّى ثلاثمئة دولار، وهو وضع غير مقبول.
النائب ميشال ضاهر ركّز على فقدان الدولة نحو خمسة مليارات دولار بسبب سياسات سابقة، ودعا إلى محاسبة المؤسسات وإعادة ضبط الفجوة المالية، مشددًا على حصر السلاح لجذب الاستثمارات، ومؤكدًا على ضرورة انصاف المودعين وحماية حقوقهم المالية.
النائبة سينتيا زرازير اعتبرت قانون الفجوة المالية غير مجدٍ، ورأت أن الموازنة الحالية لا توفر أي غطاء شرعي أو سيادي، مشيرة إلى الفساد والهدر وغياب الاقتصاد المنتج.
النائب فؤاد مخزومي شدد على الطابع المخالف للدستور للموازنة بسبب غياب قطع الحساب، مؤكدًا أن الدعم الدولي لا يمكن أن يكون بديلاً عن الدولة، وأن الموازنة تقدّم حلولاً ظرفية للقطاع العام والقطاع التعليمي والصحي، داعيًا إلى تخصيص اعتمادات واضحة لبلدية بيروت ورفع الضرائب على الاقتصاد المنتج بدل المواطن.
النائب محمد يحيا ركّز على ضرورة معالجة القضايا الإنمائية في منطقة عكار، بما في ذلك أوتوستراد الشمال والجامعة اللبنانية، وانتقد إلغاء المبالغ المخصصة للتربية، مطالبًا بتخصيص موارد عادلة لتعويض الحرمان المتراكم في المناطق النائية.
النائب أسامة سعد من التنظيم الشعبي الناصري أكد أن حصر السلاح قضية مهمة، لكنه رفض أن يتم حصر كل القضايا اللبنانية ضمن هذه النقطة، معتبرًا أن ذلك ظلم للحقيقة والتحديات الوطنية.
النائب ايهاب مطر ركّز على التقصير بحق طرابلس، مشيرًا إلى غياب المحاسبة والتحقيق في ملفات الأبنية المتصدعة، ومؤكدًا أن الموازنة لم تحمِ المدينة ولم تصان كرامتها، ورأى أن طرابلس أغنى من كونها فقيرة، لكن تم افقارها بالقوة من خلال تعطيل مواردها ومرافقها.
على الرغم من الانتقادات العديدة، أشار النائب نعمة افرام إلى بعض المؤشرات الإيجابية، منها زيادة حجم الموازنة من مليار دولار قبل أربع سنوات إلى ستة مليارات اليوم، وضبط التهريب، وتحقيق موازنة بلا عجز. واعتبر أن الاستثمارات الخاصة من خلال مشاريع BOT وPPP ضرورية لاستقطاب رؤوس الأموال الأجنبية وتعزيز ثقة المستثمرين. وأكد أن التعويضات في القطاعين العام والخاص تشكل أولوية لحماية حقوق العاملين، داعيًا إلى تحريك القوانين المتعلقة بها بسرعة لضمان تقاعد لائق.
الملاحظات الدستورية والقانونية
النائبة حليمة قعقور ركّزت على عدم عدالة الضرائب في الموازنة، مشيرة إلى مخالفة الحكومة للمادة 87 من الدستور بعدم إرسال قطع الحساب، وطلبت لائحة بجميع الهبات العينية والنقدية. كما انتقدت ملف إيجارات الوزارات ومؤسسات الدولة، معتبرة أنه مثال على فساد وهيمنة بعض الأحزاب والشركات على موارد الدولة، ورأت أن الموازنة ليست دستورية ولا سيادية.
النائب فؤاد مخزومي شدد على ضرورة تخصيص اعتمادات واضحة للقطاع الصحي وبلدية بيروت، مشيرًا إلى أن الموازنة الحالية تُقدّم حلولاً ظرفية فقط للقطاعين العام والتعليم والصحة، وأن مكافحة الفساد يجب أن تكون خيارًا ماليًا أساسيًا، وليس شعارًا.
في سياقٍ آخر، أشار نعمة افرام إلى التحديات المتعلقة بالانتخابات، موضحًا أن القانون الحالي غير قابل للتطبيق، والقانون الجديد المقترح غير نافذ بعد، ودعا إلى دراسة خيار ثالث لتشريع قانون جديد يضمن تسجيل اللبنانيين المنتشرين وممارستهم حق التصويت، واعتبر أن الوقت حان لإصلاح شامل يشمل مجلس نواب ومجلس شيوخ فاعلين، مع اقتراحه لإجراء انتخابات مجلسين في الوقت نفسه، الأول طائفي والثاني غير طائفي.
في ختام الجلسة، أعلن الرئيس نبيه بري رفع الجلسة العامة المخصصة لمناقشة الموازنة العامة إلى الساعة السادسة مساءً، بعد جلسة طويلة اتسمت بالمداخلات الكثيرة والجدل الحاد حول البنود المالية والخدمية، مع تحديد مهل إضافية لإتمام النقاش حول القوانين المتعلقة بالانتخابات والتسجيل للمنتشرين، وقضايا التعويضات والقطاع العام.



