مجلس النواب يناقش موازنة 2026 وسط ملاحظات مالية وإدارية

جلسة مجلس النواب ( الوكالة الوطنية)
انطلقت جلسة مناقشة مشروع موازنة عام 2026 في مجلس النواب وسط انتقادات حادة لغياب الرؤية الاقتصادية، وخرق الدستور، وتفاقم الهدر واللامساواة، ما عكس عمق الانقسام النيابي حول سبل معالجة الأزمة المالية والاقتصادية.
فقد افتتح رئيس مجلس النواب نبيه بري الجلسة عند الساعة الحادية عشرة قبل ظهر اليوم، موجهاً الشكر إلى لجنة المال والموازنة وكل من ساهم في إعداد مشروع الموازنة وإحالته إلى المجلس، وذلك بعد الوقوف دقيقة صمت عن روح النائب السابق مسعود الحجيري وتلاوة المواد ذات الصلة من النظام الداخلي.
وكان أول المتكلمين رئيس لجنة المال والموازنة النائب إبراهيم كنعان، الذي وجّه انتقادات أساسية لمشروع الموازنة، مؤكداً غياب رؤية اقتصادية واجتماعية واضحة، والتدني الكبير في الاعتمادات المخصصة للأجهزة الرقابية، ما يضعف القدرة على مراقبة أداء مؤسسات الدولة. وأشار إلى تعليق البت بالفصل المتعلق بقوانين البرامج، مطالباً الحكومة بتقييم شامل لجدواها، معتبراً أن العشوائية في اعتماد هذه البرامج كانت من الأسباب الرئيسية للانهيار المالي.
ولفت كنعان إلى أن غالبية الوزارات والمؤسسات طلبت زيادات على اعتماداتها، ما يدل على تسرّع الحكومة في إحالة الموازنة وخرق مبدأ التضامن الوزاري. كما انتقد معالجة القوانين المالية الحساسة، لا سيما قانون الفجوة المالية، الذي أبدى صندوق النقد الدولي ملاحظات عليه.
وطالب كنعان بإقرار سلسلة رواتب جديدة للقطاع العام، مؤكداً أن ما دمّر الاقتصاد ليس سلسلة الرتب والرواتب السابقة، بل التوظيف العشوائي والهدر وغياب المحاسبة القضائية. كما كشف عن مطالبة اللجنة بتدقيق شامل في سلفات الخزينة وتعليق الاعتمادات المخصصة لتسديدها، نظراً لغياب المستندات التي تبرر أوجه الإنفاق. وأشار أيضاً إلى تعليق بند عقد إيجار مبنى الإسكوا بسبب تضخم الأرقام إلى أكثر من خمسين مليون دولار، داعياً إلى تملّك الدولة للمبنى بقانون برنامج بدلاً من استمرار الهدر في الإيجارات.
وشدد كنعان على أن الحكومات المتعاقبة لم تحترم الضوابط القانونية في منح سلفات الخزينة، وانتقد تعدد الصناديق المالية، معتبراً أن الدولة يجب أن تعتمد صندوقاً واحداً، وختم بالتأكيد أن لا رقابة فعلية من دون حسابات مالية شفافة.
من جهته، أكد نائب رئيس مجلس النواب النائب إلياس بو صعب أن الموازنة عادت إلى المجلس من دون قطع حساب، معتبراً ذلك خللاً دستورياً. وأشار إلى مطالب العسكريين المتقاعدين بإعادة رواتبهم إلى نصف ما كانت عليه قبل الأزمة، محمّلاً النظام السياسي مسؤولية الفشل في إقرار الكابيتال كونترول وإعادة هيكلة المصارف والاعتراف بالدين العام والفجوة المالية، داعياً إلى إنصاف المعتصمين.
بدوره، شدد النائب جورج عدوان على أن إقرار الموازنة من دون قطع حساب يشكل مخالفة صريحة للدستور، مؤكداً أن تكتله النيابي لن يوافق على ذلك. واعتبر أن الموازنة انعكاس مباشر للأوضاع النقدية والاقتصادية، داعياً إلى استعادة ثقة المواطنين عبر إعادة الودائع ومعالجة الوضع الأمني.
أما النائب جميل السيّد، فسلّط الضوء على التفاوت الكبير في الرواتب داخل مؤسسات الدولة، كاشفاً أن راتب أمين الهيئة الناظمة للاتصالات يبلغ نحو عشرة آلاف دولار، معتبراً أن هذا الواقع غير مقبول. وانتقد اعتماد الحكومة على ضرائب تطال جميع المواطنين بدل فرض ضرائب عادلة ومدروسة.
من جانبه، أكد النائب علي المقداد، عضو كتلة “الوفاء للمقاومة”، أن كتلته تمثل صوت المحرومين وأصحاب الحقوق، مطالباً بإنصاف العسكريين والعاملين في القطاع العام. ولفت إلى أن الموازنة تُناقش كأرقام في ظل اهتزاز الثقة بالدولة، منتقداً غياب المعالجة الجدية للأزمات الأمنية والخدماتية.
وتطرق المقداد إلى تدهور الخدمات الأساسية في مناطق عدة، لا سيما في البقاع وعكار، من انقطاع المياه والكهرباء والاتصالات، وإهمال طريق ضهر البيدر، داعياً إلى تنفيذ مشاريع بنى تحتية أساسية، ومطالباً بأن تراعي موازنة 2027 حاجات الطبقة الكادحة، مع جعل سلامة الغذاء أولوية وطنية.
وبذلك، عكست الجلسة انقسامات نيابية حادة حول الإصلاح المالي والدستوري والعدالة الاجتماعية، إلى جانب شبه إجماع على فشل السياسات السابقة وعمق الأزمة، مع تباين واضح في مقاربات الحل والمسؤوليات الملقاة على عاتق الحكومة والمجلس النيابي.



