تحذير من دافوس: أوروبا مهددة بتراجع تنافسيّتها أمام أميركا والصين


وجّه رؤساء تنفيذيون لشركات عالمية مشاركة في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس تحذيراً شديد اللهجة لأوروبا، مؤكدين أن القارة تواجه خطر التراجع في الصناعات المستقبلية ما لم تُسارع إلى إصلاح بيئتها التنظيمية وتعزيز تنافسيتها في مواجهة الولايات المتحدة والصين.
وفقاً لمصادر بلومبيرغ اليوم , أكد التنفيذيون أن الإفراط في التنظيم، والبيروقراطية الثقيلة، وارتفاع تكاليف الطاقة، إلى جانب عجز أوروبا عن توظيف سوقها الموحدة التي تضم نحو 450 مليون مستهلك، عوامل تهدد بإقصائها عن قطاعات حيوية مثل الصناعات الدوائية، والذكاء الاصطناعي، والدفاع. ودعوا إلى توحيد الجهود الأوروبية وتجميع الموارد وتبنّي سياسات مشتركة قادرة على تحفيز النمو.
وفي قطاع الدفاع، شدد الرئيس التنفيذي لشركة «فينكانتيري» الإيطالية، بيرروبرتو فولغيريو، على ضرورة تنسيق الاستثمارات العسكرية الأوروبية، قائلاً: «لا معنى لبناء سفن حربية منفصلة لكل دولة. نحتاج إلى إنفاق أكبر على الدفاع، ولكن الأهم هو الإنفاق بشكل أكثر كفاءة، عبر تقاسم المنصات والمشاريع».
وتأتي هذه التحذيرات في وقت تتزايد فيه الضغوط على الاقتصاد الأوروبي بفعل الحرب التجارية التي يقودها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إضافة إلى المنافسة المتصاعدة من الصين في قطاعات صناعية رئيسية. وبحسب المشاركين، فإن المخاطر لا تقتصر على النمو الاقتصادي فحسب، بل تمتد إلى فرص العمل والتماسك الاجتماعي داخل القارة.
كما شهد منتدى دافوس هذا العام مشاركة أكثر من 800 مدير تنفيذي من مختلف أنحاء العالم، وسط بحث متزايد عن إجابات تتعلق بارتفاع أسعار الطاقة، وسباق الذكاء الاصطناعي، واضطراب سلاسل الإمداد في ظل النزاعات العسكرية، والتحولات في النظام العالمي.
وفي مجال الصناعات الدوائية، حذّر الرئيس التنفيذي لشركة «نوفارتيس»، فاس ناراسيمهان، من أن بعض الدول الأوروبية تعرقل إطلاق الأدوية المبتكرة، في وقت تتمتع فيه الولايات المتحدة ببيئة أعمال أكثر جاذبية للاستثمار. وقال: «إذا أرادت أوروبا منافسة أميركا والصين في جذب الاستثمارات، فعليها تحسين مناخ الأعمال وتقدير قيمة الأدوية وتأثيرها على المرضى».
من جهته، أشار فولغيريو إلى أن العالم يتجه نحو الانقسام إلى كتل جيوسياسية، ما يفرض على أوروبا تعزيز الاكتفاء الذاتي، خصوصاً في مجالي الطاقة والدفاع، مع تقصير سلاسل الإمداد في القطاعات الاستراتيجية.
وفي السياق نفسه، قال الرئيس التنفيذي لشركة «فريزينيوس» الألمانية، مايكل زين، إن أوروبا باتت تعتمد بشكل «غير صحي» على الصين في توفير المكوّنات الصيدلانية الفعّالة، محذّراً من مخاطر استخدام الأدوية كورقة ضغط في النظام العالمي الجديد، وما قد يسببه ذلك من نقص في الأدوية الأساسية.
كما شدد مشاركون على أن ارتفاع تكاليف الطاقة في أوروبا يضعف قدرتها التنافسية في صناعات رئيسية مثل السيارات والذكاء الاصطناعي، مقارنة بالولايات المتحدة والصين. واعتبر الرئيس التنفيذي لشركة «كلاريانت» السويسرية، كونراد كايزر، أن الأسعار المرتفعة للغاز تضغط على هوامش الأرباح وتؤدي إلى تعليق الاستثمارات طويلة الأجل، لا سيما في مشاريع الاستدامة.
في المقابل، رأى رئيس مجلس إدارة شركة «أمرايز» للإسمنت، يان ينيش، أن السوق الأميركية مهيّأة للنمو، مدفوعة بتوسع شركات التكنولوجيا الكبرى وبناء مراكز البيانات، إضافة إلى التقدم في مجالات الطاقة والذكاء الاصطناعي.
ووفقاً لبلومبيرغ , تعرّضت اللوائح الأوروبية لانتقادات واسعة خلال المنتدى، إذ اعتبرت نيكولا مندلسون، رئيسة الأعمال العالمية في شركة «ميتا»، أن التعقيد التنظيمي يعرقل اعتماد تقنيات الذكاء الاصطناعي ويحدّ من الابتكار، ما يزيد من إحباط قادة الأعمال.
ورغم الانتقادات، أقرّ بعض القادة الأوروبيين بوجود خلل في السياسات الحالية. إذ دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى تبسيط القوانين التي تثقل كاهل الشركات، مطالباً بإعطاء أولوية لمنتجات «صُنع في أوروبا»، ومؤكداً أن إنشاء اتحاد لأسواق رأس المال بات ضرورة ملحّة لتمويل الشركات الأوروبية.
ختاماً , يجمع مراقبون في دافوس على أن مساعي أوروبا لتحقيق الاكتفاء الذاتي وتعزيز تنافسيتها لن تكون سهلة، لكنها باتت خياراً حتمياً في ظل التحولات الاقتصادية والجيوسياسية المتسارعة.



