مسرح مصر: ثورة كوميدية على الخشبة وتحوّل ثقافي


في عمق التجربة المسرحية المصرية المعاصرة ينبثق «مسرح مصر» كواحد من أهم المشاريع التي كرّست حضور المسرح الكوميدي في وجدان الجماهير وغيّرت وجه العرض المسرحي في العصر الحديث، وقد تأسست هذه التجربة في يناير من عام 2014 على يد الفنان الكبير أشرف عبد الباقي الذي خطط لفكرة جديدة من نوعها، حيث بدأ المشروع باسم «تياترو مصر» وعُرض بصورة أولى في 17 ديسمبر 2013 كمسرحية كوميدية مدتها حوالي ستين دقيقة تضم مشاهد قصيرة متتابعة جمعت بين الكوميديا الارتجالية والحكايات الشعبية.
كانت فكرة «مسرح مصر» جريئة وغير معتادة في البداية، إذ اعتمد عبد الباقي على فريق من المواهب الشابة التي أتاح لها الفرصة لتقديم نفسها على خشبة المسرح وللجمهور في الوقت نفسه، وقد ضمّت هذه الفرقة أسماء لامعة مثل علي ربيع ومصطفى خاطر وحمدي الميرغني ومحمد عبد الرحمن وغيرهم من الوجوه التي ستصبح فيما بعد من نجوم الكوميديا في مصر. هذه الخطوة لم تقتصر فقط على تقديم عروض مسرحية متكررة، بل كانت بمثابة ورشة عمل حيّة لتدريب جيل جديد من الممثلين الذين وجدوا في هذا المشروع منبراً لهم لإبراز مواهبهم على نطاق واسع.
سر النجاح الباهر الذي حققه «مسرح مصر» يكمن في مجموعة من الأسباب المتكاملة التي عملت بتناسق على جذب الجمهور وإبقائه متعلّقاً بكل موسم جديد، فقد كان العرض يقدّم كل أسبوع مسرحية جديدة قصيرة ومتنوعة في موضوعاتها وأسلوبها، مما جعل الجمهور ينتظر كل حلقة بشغف ويتفاعل مع الأحداث بشكل مباشر، كما ساهم بث العروض عبر قناة MBC مصر في وصولها إلى ملايين المشاهدين داخل وخارج مصر، وهو ما عزّز من شعبية المشروع وجعله حديث الشارع الفني. بالإضافة إلى ذلك فإن روح الأخوة والتعاون بين أعضاء الفرقة جعلت من كل موسم صفحة جديدة تحمل إبداعات مختلفة، بينما صنع عبد الباقي بحرفية شبكة إنتاج متكاملة تضمن انتظام العروض وجودة الأداء.
حظي المشروع أيضاً باهتمام نقدي وشعبي في آن واحد، فقد اعتبر بعض النقاد أن «مسرح مصر» قدّم نوعاً جديداً من الكوميديا المسرحية يعتمد على الارتجال المسرحي الذي له جذور في الفن المصري منذ زمن بعيد، بينما رأى الجمهور أنه تجربة مختلفة كسرت جمود المسرح التقليدي وجعلته أكثر قرباً من الحياة اليومية والهموم الاجتماعية للجمهور. وقد ساهم ذلك في إعادة ربط الجمهور المصري بخشبة المسرح بعد فترة من تراجع الإقبال على العروض الحية لصالح الدراما التلفزيونية والسينمائية، إذ امتلأت القاعات وعُرضت بعض المسرحيات في مناسبات خاصة لأسابيع كاملة مكتملة العدد.
لم يخلُ طريق «مسرح مصر» من التحديات، فقد واجه المشروع في سنواته الأخيرة صعوبات تتعلق بتوافر أعضاء الفرقة في الوقت نفسه، إذ أصبح العديد منهم نجوماً لهم طلب في الأعمال السينمائية والتلفزيونية، مما جعل تجميعهم للمواسم الجديدة مشكلاً تعيقه ضغوط الوقت والالتزامات الأخرى. هذا العامل كان من بين الأسباب التي دفعت عبد الباقي وفريقه إلى إعلان توقف إنتاج «مسرح مصر» في شكل مشروع منتظم بعد تقديم نحو ستة مواسم و120 عرضاً مختلفاً، إذ رأوا أن التوقف أثناء نجاح العمل أفضل من الاستمرار إلى درجة ملل الجمهور.
أما عن الوضع الحالي لـ«مسرح مصر» فالتجربة تظل حاضرة في الذاكرة الفنية للجمهور وعلى منصات العرض الرقمية التي لا تزال تعرض الحلقات القديمة وتشهد عليها قاعدة جماهيرية واسعة، بينما واصل بعض أعضاء الفريق مسيرتهم الفنية في مجالات التمثيل والكتابة والإخراج في السينما والتلفزيون، مما يضمن استمرار إرث المشروع في الثقافة الفنية المصرية. كما أن النقاشات حول المسرح المصري بشكل عام لا تزال مستمرة في الساحة الفنية، ويشهد المسرح المصري عموماً انتعاشاً في العروض والمهرجانات المسرحية، مع بروز تجارب جديدة لشباب فنانين يحاولون استغلال المنصات الحديثة لعرض أعمالهم والتواصل مع الجمهور.
يقدّم «مسرح مصر» بكل ما حققه من انتشار وذكريات كوميدية نموذجاً رائداً على أن المسرح قادر على أن يعيش ويزدهر إذا ما وجد الفكرة المناسبة والعرض الجيد والتفاعل الحقيقي مع الجمهور، وهو ما رسّخ في الأذهان أنّ المسرح ليس فناً ميتاً بل نبع يتجدّد بروح الشباب والإبداع.




