ماذا يحدث لسكان الصين؟ تراجع تاريخي وانخفاض 3.39 ملايين في عام واحد

يتقلّص عدد سكان الصين بوتيرة لم تشهدها البلاد منذ عقود، في تحوّل حاد لدولة لطالما عُرفت بثقلها الديموغرافي، بحسب بلومبيرغ اليوم الأربعاء.
فبعد أن فقدت الصين لقب الدولة الأكثر سكانًا في العالم لصالح الهند عام 2023، أظهرت بيانات رسمية أن البلاد سجّلت في عام 2025 أكبر تراجع سنوي في عدد السكان منذ المجاعة الكبرى عام 1960 في عهد ماو تسي تونغ، نتيجة تراجع معدلات الولادة وتسارع الشيخوخة السكانية، رغم إنهاء سياسة الطفل الواحد قبل سنوات، وفق ما أفادت بلومبيرغ.
ويثير هذا التحوّل تساؤلات جوهرية بشأن قدرة بكين على تغيير هذا المسار، في ظل تداعيات اقتصادية بعيدة المدى.
ما الذي يحدث لسكان الصين؟
أظهرت بيانات المكتب الوطني للإحصاء أن عدد سكان البرّ الرئيسي الصيني انخفض بمقدار 3.39 ملايين نسمة في عام 2025 مقارنة بالعام السابق. وسجّلت الصين 7.93 ملايين ولادة فقط خلال العام، وهو أدنى مستوى منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949. وقد تراجع عدد المواليد سنويًا منذ عام 2016، باستثناء ارتفاع طفيف في عام 2024.
ورغم إنهاء سياسة الطفل الواحد قبل نحو عقد، فإن التفضيل التاريخي لإنجاب الذكور دفع بعض العائلات سابقًا إلى الإجهاض الانتقائي، ما أخلّ بنسبة الجنس عند الولادة. ورغم استقرار هذه النسبة مؤخرًا عند نحو 104 ذكور لكل 100 أنثى، لا تزال الصين تعاني نقصًا في عدد النساء في سن الإنجاب.
وانخفض معدل الخصوبة في الصين إلى 1.3 طفل لكل امرأة عام 2020، وهو مستوى أقل بكثير من 2.1 المطلوب للحفاظ على استقرار عدد السكان من دون احتساب الهجرة. كما تشير البيانات إلى تزايد الهجرة الخارجية للمواطنين الصينيين في السنوات الأخيرة، ما زاد الضغوط على النمو السكاني، بحسب بلومبيرغ.
وتظهر الأزمة الديموغرافية بوضوح في سوق العمل، إذ واصلت الفئة العمرية القادرة على العمل (من 16 إلى 59 عامًا) الانكماش، لتشكّل نحو 60.6% من إجمالي السكان في 2025، مقارنة بأكثر من 70% قبل عقد. وتشير التوقعات إلى أن 30% من السكان سيكونون بعمر 60 عامًا أو أكثر بحلول 2034.
ما التأثيرات المتوقعة؟
قد يؤدي تراجع عدد السكان إلى إضعاف إمكانات النمو الاقتصادي على المدى الطويل، وتقليص فرص تفوّق الاقتصاد الصيني على نظيره الأميركي، خاصة مع استمرار نمو عدد سكان الولايات المتحدة.
كما أن انخفاض عدد السكان في سن العمل قد يرفع تكاليف الأجور وأسعار السلع المصنعة، في حين قد يخفف رفع سن التقاعد من حدة هذه الضغوط. ففي عام 2024، أقرّت بكين خطة لرفع سن التقاعد تدريجيًا بما يصل إلى خمس سنوات خلال 15 عامًا، بعد أن ظل ثابتًا لعقود، وهو ما أثار استياءً شعبيًا واسعًا.
ومن شأن تراجع تكوين الأسر أن يضغط على الطلب طويل الأجل على الإسكان، مع تداعيات على قطاع البناء وصناعة خام الحديد. كما سيؤدي تقلص عدد العاملين إلى تعقيد تمويل نظام التقاعد الوطني الذي يعاني نقصًا حادًا، مع ازدياد عدد المتقاعدين مقابل عدد أقل من المساهمين.
وقد تمتد الآثار إلى خارج الصين، إذ من المتوقع أن يؤدي انخفاض عدد الشباب إلى تراجع أعداد الطلاب الصينيين في الولايات المتحدة وأستراليا ودول أخرى، ما سينعكس على الجامعات والاقتصادات المحلية التي تعتمد عليهم.
ما الذي تفعله الصين لرفع معدلات الولادة؟
أنهى المكتب السياسي للحزب الشيوعي الصيني سياسة الطفل الواحد عام 2016، وسمح بإنجاب طفلين، ثم رفع السقف إلى ثلاثة أطفال في عام 2021. وأسهم القرار الأول في ارتفاع عدد المواليد إلى 17.9 مليونًا في 2016، لكن هذا الأثر كان مؤقتًا.
وبدأت الحكومة العام الماضي تقديم إعانات رعاية للأطفال، إذ تحصل الأسر على نحو 500 دولار سنويًا لكل طفل مولود بعد 1 كانون الثاني/يناير 2025 حتى بلوغه سن الثالثة. كما وسّعت بعض المناطق إجازات الوالدين وقدّمت إعفاءات ضريبية، غير أن هذه الحوافز تُعد محدودة التأثير على قرار الإنجاب.
جذور سياسة الطفل الواحد
بعد تأسيس جمهورية الصين الشعبية، أدى تحسّن الرعاية الصحية إلى انخفاض حاد في معدلات الوفيات وارتفاع النمو السكاني، ما دفع الحكومة إلى تشجيع تنظيم الأسرة. وبحلول أواخر السبعينيات، ومع تفاقم أزمات الغذاء والسكن، فرض الزعيم دنغ شياو بينغ سياسة الطفل الواحد عام 1979، مع بعض الاستثناءات.
وكان تطبيق السياسة قسريًا في كثير من الأحيان، إذ وثّقت منظمات حقوقية حالات إجهاض قسري، وحرمان الأطفال غير المسجلين من نظام “هوكو” الذي يتيح الحصول على الخدمات العامة.
خطوات إضافية لمعالجة الأزمة
تحاول بكين خفض تكاليف تربية الأطفال، عبر تقليص كلفة التعليم، بما في ذلك إغلاق قطاع الدروس الخصوصية الربحية، وإصدار إرشادات للحد من الإجهاض وتقديم دعم أكبر للأمهات، إلا أن نتائج هذه السياسات لا تزال محدودة، بحسب بلومبيرغ اليوم الأربعاء.



