الصين تسجل أدنى معدل مواليد منذ 1949

سجّل معدل المواليد في الصين أدنى مستوى له منذ عام 1949، في ضربة جديدة لجهود بكين الرامية إلى تشجيع الإنجاب، ما يزيد الضغوط على ثاني أكبر اقتصاد في العالم لتعزيز الإنتاجية وتفادي تراجع طويل الأمد، بحسب ما أفادت بلومبيرغ يوم الاثنين.
وانخفض عدد المواليد إلى 5.6 مولود لكل ألف شخص خلال العام الماضي، وهو أدنى مستوى منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية. كما تقلّص إجمالي عدد السكان بمقدار 3.39 ملايين نسمة، في أكبر انكماش سكاني تشهده البلاد منذ حقبة ماو تسي تونغ.
ومع تقلّص حجم القوة العاملة وتسارع شيخوخة السكان، يهدد المسار الديموغرافي غير المواتي بإثقال كاهل الاقتصاد. ويترك ذلك أمام بكين خيارات محدودة، إما تسريع التحول نحو التكنولوجيا المتقدمة، أو المخاطرة بإثارة استياء اجتماعي عبر دفع السكان المتقدمين في السن إلى العمل لفترات أطول، وهو ما بدأت الحكومة بتنفيذه في عام 2024 عندما رفعت سن التقاعد لأول مرة منذ خمسينيات القرن الماضي.
وقال يوان شين، أستاذ بجامعة نانكاي في تيانجين ومستشار الحكومة في شؤون السياسات السكانية، إن انتقال الصين نحو نموذج تنموي قائم على الابتكار يغيّر بسرعة هيكل سوق العمل ويقلّص الطلب على العمالة، مشيرًا إلى أن بكين ستركّز على إطلاق إمكانات القوة العاملة المتعلمة لتعزيز الإنتاجية.
وكان الرئيس شي جين بينغ قد أقرّ بهذه التحديات في عام 2024، محذرًا من أن تراجع عدد السكان قد يؤدي إلى ضعف الاستهلاك والاستثمار. وفي مقال نشره في مجلة «تشيوشي» الرسمية، أشار إلى ضرورة تحويل سياسات السكان من التركيز على ضبط الكم إلى تحسين النوعية.
وتُعد التكنولوجيا محورًا أساسيًا في هذا التحول، إذ تراهن بكين على أن الأتمتة وارتفاع إنتاجية الفرد يمكن أن يعوضا فقدان اليد العاملة. ويبرز هذا التوجه بوضوح في قطاع التصنيع، حيث تتصدر الصين العالم في تركيب الروبوتات، ما يخفف من آثار شيخوخة السكان ويحسّن الكفاءة. ومن المتوقع أن يشكّل الذكاء الاصطناعي والتصنيع المتقدم ركائز أساسية في الخطة الاقتصادية الخمسية المقبلة، إلى جانب جهود تعزيز الطلب المحلي.
ورغم هذه الرؤى بعيدة المدى، تكشف البيانات السكانية عن تحدٍ أكثر إلحاحًا لاقتصاد يفقد زخمه رغم تحقيق هدف النمو الرسمي. وأظهرت بيانات صدرت يوم الاثنين أن النمو ظل غير متوازن خلال العام الماضي، مع قفزة في الصادرات مقابل ركود في الإنفاق المحلي.
وقال إي فو شيان، خبير الديموغرافيا الصينية في جامعة ويسكونسن-ماديسون، إن الأطفال يُعدّون «محرّكات رئيسية للاستهلاك»، مشيرًا إلى أن انهيار أعداد المواليد يعني أن الاقتصاد الصيني سيعتمد بشكل متزايد على الصادرات.
ويرى بعض المحللين أن الصين قد تضطر مستقبلًا إلى تخفيف سياسات الهجرة، رغم حساسية هذا الخيار سياسيًا. وقد أثار برنامج جديد لمنح التأشيرات لجذب المواهب العالمية العام الماضي مخاوف من فقدان الوظائف لصالح الأجانب، خاصة مع وصول بطالة الشباب إلى أعلى مستوى لها في عامين.
كما يُتوقع أن يتعرض نظام التقاعد، الذي يعاني أساسًا من نقص التمويل، لضغوط إضافية مع تقلص عدد السكان في سن العمل. وتشير تقديرات بلومبيرغ إنتليجنس إلى أنه بحلول عام 2035 قد لا يتجاوز عدد الأفراد في سن العمل 2.6 شخص لكل فرد فوق 65 عامًا، مقارنة بـ4.3 في عام 2024.
وتدل الأزمة الديموغرافية المتفاقمة على أن أدوات السياسة الحالية لبكين تقترب من حدود فعاليتها. فرغم إطلاق إعانات وطنية واسعة، لا يزال الأزواج الشباب غير متحمسين للإنجاب.
ومن بين الحوافز، يحصل الأزواج على نحو 500 دولار سنويًا عن كل طفل يولد اعتبارًا من 1 كانون الثاني/يناير 2025 وحتى بلوغه سن الثالثة. كما فرضت الحكومة بدءًا من هذا العام ضريبة قيمة مضافة بنسبة 13% على وسائل منع الحمل والأدوية المرتبطة بها، بما في ذلك حبوب منع الحمل الطارئة والواقيات الذكرية.
وقال خه يافو، الخبير الديموغرافي المستقل، إن حجم الإعانات الحكومية «ضئيل للغاية» ولا يكفي لإحداث تأثير ملموس على معدلات الولادة. وأرجع التراجع الحاد أيضًا إلى عزوف الشباب عن الزواج، إضافة إلى انخفاض عدد النساء في سن الإنجاب بمقدار 16 مليون امرأة بين عامي 2020 و2025.



