سوق العمل الأميركي يدخل ركودًا هادئًا رغم انخفاض البطالة

على الرغم من أن معدل البطالة في الولايات المتحدة ما زال منخفضًا نسبيًا، فإن نمو الوظائف يشهد تباطؤًا حادًا، ما جعل سوق العمل الأميركي يدخل حالة ركود هادئة تقوم على قلة التوظيف وقلة الاستغناء عن العمال. هذا الواقع، بحسب ما أوردته صحيفة وول ستريت جورنال، يضع ملايين الأميركيين غير القادرين على تأمين عمل مستقر بدوام كامل خارج دائرة الفرص.
وتُظهر بيانات الوظائف الصادرة هذا الأسبوع أن الولايات المتحدة استهلت العام الجديد بمعدل بطالة بلغ 4.4 في المئة، في وقت سجّل فيه الاقتصاد أبطأ وتيرة شهرية لخلق فرص العمل خارج فترات الركود منذ عام 2003. ونتيجة لذلك، يواجه الباحثون عن عمل فترات انتظار أطول، فيما يضطر ملايين آخرون إلى الجمع بين وظائف متعددة لتأمين الحد الأدنى من متطلبات العيش، وفق تقرير وول ستريت جورنال.
هذا الواقع تجسّده قصة مونيك باتيست، البالغة من العمر أربعين عامًا، التي تحمل درجتي ماجستير في إدارة الموارد البشرية والتسويق. تبدأ باتيست يومها عند الرابعة والنصف فجرًا في شقة أحد الزبائن بمدينة دالاس، حيث تقود حصة تدريب شخصي لمدة ساعة. ثم تعود مسرعة إلى منزلها قبل السادسة صباحًا لتوصيل ابنتها البالغة عشرة أعوام إلى المدرسة، وتحاول أن تنال قسطًا قصيرًا من النوم قبل أن تبدأ عملها عند التاسعة صباحًا كمساعدة تسويق بدوام جزئي عبر الإنترنت. وفي الثالثة بعد الظهر تعود لاصطحاب ابنتها، ثم تحضّر العشاء قبل أن تتوجه إلى مستودع تابع لشركة أمازون للعمل ست ساعات ونصف في فرز ونقل الطرود الثقيلة، لينتهي يومها عند العاشرة والنصف ليلًا.
وتقول باتيست، التي فقدت وظيفتها بدوام كامل كاختصاصية تسويق أولى قبل نحو عام: «الأمر مرهق وغير صحي، لكن لا خيار آخر أمامي». وتنقل وول ستريت جورنال هذه الشهادة بوصفها مثالًا صارخًا على هشاشة سوق العمل الحالي.
وبحسب الأرقام، كان أكثر من 5.3 ملايين أميركي يعملون بدوام جزئي خلال الشهر الماضي لأنهم لم يتمكنوا من العثور على عمل إضافي. ورغم تراجع هذا العدد مقارنة بشهر تشرين الثاني/نوفمبر، فإن العام انتهى مع بقاء نحو 3.1 في المئة من القوى العاملة الأميركية عالقة في وظائف بدوام جزئي غير مرغوب فيها، مقارنة بـ2.6 في المئة قبل اثني عشر شهرًا، وفق ما أوردته وول ستريت جورنال.
أما بالنسبة للعاطلين عن العمل، فقد بلغ متوسط مدة البطالة 11.4 أسبوعًا في شهر كانون الأول/ديسمبر، وهو أعلى مستوى منذ كانون الأول/ديسمبر 2021. كما شكّل الباحثون عن عمل منذ 27 أسبوعًا أو أكثر نحو 26 في المئة من إجمالي العاطلين، ارتفاعًا من 22 في المئة قبل عام.
ويقول مايك تايانو، نائب رئيس مجموعة المؤسسات المالية في وكالة موديز للتصنيفات الائتمانية، في تصريح نقلته وول ستريت جورنال: «هذا ليس سوق عمل قويًا بأي حال. ما نراه هو سوق راكد».
ومن بين القصص الأخرى التي تعكس عمق الأزمة، قصة كوري أوبانيون، البالغة تسعة وثلاثين عامًا، التي فقدت وظيفتها التي كانت تدر عليها 120 ألف دولار أميركي سنويًا في إدارة المنح الفيدرالية لدى متعهد حكومي في شهر شباط/فبراير الماضي. وفي شهر أيلول/أكتوبر، اضطرت إلى قبول وظيفة بدوام كامل كمساعدة تعليمية في مدرسة محلية بأجر لا يتجاوز 14 دولارًا أميركيًا في الساعة. في المقابل، يواجه زوجها، الذي يعمل في تركيب أنظمة الكابلات والأمن، صعوبة في إيجاد عمل بعد تعافيه من إصابة مهنية تعرّض لها عام 2024.
وتعتمد العائلة، المؤلفة من سبعة أفراد تتراوح أعمار أطفالها بين سبعة أشهر وثمانية عشر عامًا، على المساعدات الغذائية الحكومية. وتقول أوبانيون، التي تعيش في مدينة بوهوسكا بولاية أوكلاهوما: «لا يمكننا الاستمرار بالعيش على 1300 دولار أميركي شهريًا لسبعة أشخاص إلى الأبد، هذا غير ممكن». وتشير وول ستريت جورنال إلى أن العائلة لجأت خلال عيد الميلاد إلى تقديم هدايا يدوية الصنع، مثل مسرح دمى لابنها، وتحميل قصص مجانية من عالم ستار تريك وتخصيصها لأحد الأطفال.
ويحذّر خبراء الاقتصاد من أن كلفة البطالة طويلة الأمد تتفاقم مع مرور الوقت، إذ يخسر العمال فرص الادخار للتقاعد، ويضطرون إلى استنزاف مدخراتهم، فضلًا عن تفويت فرص تطوير مهاراتهم بما ينعكس سلبًا على دخولهم المستقبلية. ويقول براد هيرشباين، كبير الاقتصاديين في معهد أبحاث التوظيف التابع لمؤسسة دبليو. إي. أبجون، في حديث أوردته وول ستريت جورنال: «هناك آثار تندبية طويلة الأمد لا يمكن تجاهلها».



