Contact Us
Ektisadi.com
إعلام وفنون

المسرح اللبناني: خشبةٌ قاومت العتمة وصنعت هوية

المسرح اللبناني

المسرح اللبناني

يُعدّ المسرح اللبناني واحداً من أكثر التجارب المسرحية العربية كثافةً وجرأة، لأنه لم ينشأ بوصفه فناً ترفيهياً فحسب، بل كفعل ثقافي مقاوم، ارتبط بالهوية والسؤال والقلق الجماعي. منذ بداياته الأولى في القرن التاسع عشر، شكّل المسرح في لبنان مرآةً لتحولات المجتمع، وانتقل من الترجمة والاقتباس إلى التأليف المحلي، ومن الخشبة الأرستقراطية إلى المسرح الشعبي والسياسي، في مسارٍ وثّقته دراسات أكاديمية عديدة صادرة عن الجامعة اللبنانية ومقالات نقدية منشورة في مجلات ثقافية رصينة مثل “الآداب” و“مواقف”.

تعود البدايات التأسيسية للمسرح اللبناني إلى أعمال مارون النقاش في منتصف القرن التاسع عشر، الذي يُعدّه المؤرخون المسرحيون، ومنهم من تناول تجربته في كتب تاريخ المسرح العربي، أول من أدخل العرض المسرحي المنظّم إلى لبنان عبر نصوص مقتبسة عن المسرح الأوروبي ومقدّمة باللغة العربية. لم تكن تجربة النقاش مجرد تقليد للغرب، بل كانت محاولة مبكرة لخلق توازن بين الشكل المسرحي الحديث واللغة العربية، وهو ما اعتبره باحثون مثل علي الراعي في دراساته عن المسرح العربي خطوة مفصلية في انتقال المسرح من الفضاء الشعبي إلى الفضاء الفني المؤسّس.

مع بدايات القرن العشرين، شهد المسرح اللبناني تحوّلاً نوعياً، حيث خرج من القاعات المغلقة المرتبطة بالطبقات الميسورة إلى فضاءات أوسع وأكثر تفاعلاً مع المجتمع. تأثر المسرح آنذاك بالنهضة الفكرية والصحافية، وبرزت محاولات لربط المسرح بالهمّ الاجتماعي والسياسي، وهو ما وثّقته كتابات نقدية لاحقة تناولت علاقة المسرح اللبناني بالحركات القومية والتحررية في المشرق. هذا التحول مهّد لظهور جيلٍ مسرحي لم يعد يكتفي بالاقتباس، بل سعى إلى صياغة خطاب مسرحي محلي.

بلغ المسرح اللبناني ذروة حضوره وتأثيره في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وهي المرحلة التي يعتبرها كثير من النقاد العصر الذهبي. في هذه الفترة، قدّم الأخوان رحباني تجربة مسرحية غنائية أسست لمسرح لبناني جماهيري ذي بعد شعري وإنساني، بينما ذهب زياد الرحباني في اتجاه مغاير، كاشفاً عبر نصوصه الساخرة تناقضات المجتمع اللبناني والسياسة والطائفية بلغة يومية جريئة، وقد تناولت دراسات نقدية عديدة، منشورة في كتب عن المسرح السياسي العربي، هذه التجربة بوصفها انتقالاً من المسرح الرمزي إلى المسرح النقدي المباشر.

في موازاة ذلك، ظهر المسرح التجريبي والملتزم، خصوصاً مع أسماء مثل روجيه عساف ونضال الأشقر، اللذين ربطا المسرح بالفعل النضالي وبالشارع، وأسسا لتجربة مسرحية ترى في الخشبة مساحة مساءلة لا منصة ترفيه. روجيه عساف نفسه كتب نصوصاً وشهادات فكرية عن المسرح ودوره الاجتماعي، تُدرّس اليوم في أقسام الفنون المسرحية، وتُعدّ من أهم المراجع لفهم طبيعة المسرح اللبناني خلال الحرب الأهلية، حيث تحوّل العرض المسرحي إلى فعل مقاومة ثقافية في وجه العنف والانقسام.

رغم الحرب والدمار والأزمات الاقتصادية المتلاحقة، لم يتوقف المسرح اللبناني عن الإنتاج، بل أعاد ابتكار نفسه بأشكال أكثر تقشفاً وتجريباً. تناولت أبحاث معاصرة منشورة في دوريات أكاديمية عربية وأجنبية كيف تحوّل المسرح بعد الحرب إلى مسرح الذاكرة والصدمة، مسرح يعالج آثار العنف والهوية المكسورة، ويعتمد أحياناً على المونودراما أو العروض الصغيرة كخيار فني واقتصادي في آنٍ واحد.

اليوم، يقف المسرح اللبناني عند مفترق طرق صعب، لكنه لا يزال حياً بفعل إصرار فنانين شباب يستلهمون إرث من سبقهم ويعيدون صياغته بلغة العصر. ورغم غياب الدعم المؤسسي الكافي، يبقى المسرح في لبنان شاهداً على قدرة الفن على البقاء، وعلى أن الخشبة، كما تؤكد دراسات تاريخ المسرح اللبناني، لم تكن يوماً مجرد منصة عرض، بل مساحة حرّة للدفاع عن الإنسان في أكثر لحظاته هشاشة.