لماذا تتعثر الكرتونات العربية أمام تفوق الغرب


يبدو الفرق شاسعًا بين الكرتونات العربية ونظيراتها الغربية ليس بسبب عامل واحد بل نتيجة منظومة كاملة من الاختيارات الثقافية والإنتاجية والفكرية التي تراكمت عبر عقود. فالكرتون في الغرب لم يُنظر إليه يومًا بوصفه مادة ترفيهية للأطفال فقط بل كوسيط فني قادر على مخاطبة الإنسان في كل مراحله العمرية وهو ما تؤكده تجارب شركات مثل ديزني وبيكسار وكرتون نتوورك التي تعاملت مع الرسوم المتحركة كأداة سردية تحمل فلسفة وقيمًا وأسئلة وجودية كما أشار الباحث بول ويلز في دراساته حول الأنيميشن بوصفه “سينما أفكار” لا مجرد صور متحركة.
أحد أهم أسباب رداءة الكرتون العربي نسبيًا يتمثل في ضعف الرؤية الإبداعية وسيطرة العقلية الوعظية المباشرة حيث يُختزل العمل في رسالة أخلاقية جاهزة تُقدَّم بشكل فجّ يقتل عنصر الدهشة والتأويل. في المقابل تعتمد الكرتونات الغربية على بناء شخصيات معقدة تمر بصراعات داخلية حقيقية تجعل الطفل يتفاعل معها عاطفيًا دون أن يشعر أنه يتلقى درسًا أخلاقيًا مباشرًا وهو ما تؤكده تحليلات جوزيف كامبل حول البطل والأسطورة التي تبنتها هوليوود بذكاء في أعمالها الموجهة للصغار والكبار معًا.
ضعف النصوص والسيناريوهات في الإنتاج العربي يمثل عائقًا مركزيًا آخر إذ غالبًا ما تُكتب القصص بعجالة وبتكرار نماذج مستهلكة تفتقر للعمق الدرامي أو الجرأة في الطرح. على عكس ذلك تستثمر الشركات الغربية سنوات في تطوير النص الواحد وتخضعه لمراحل طويلة من المراجعة والاختبار كما ذكر إد كاتمول أحد مؤسسي بيكسار في كتابه حول الإبداع المؤسسي حيث أكد أن القصة الجيدة هي الأساس الذي لا يمكن تعويضه بالتقنيات مهما بلغت جودتها.
كما تلعب الميزانيات المحدودة دورًا مؤثرًا في تدني مستوى الكرتون العربي لكن المشكلة لا تكمن في المال وحده بل في طريقة إدارته. فالاستثمار في الغرب لا يقتصر على الرسم والتحريك بل يشمل التدريب وبناء الكوادر وخلق بيئة تسمح بالفشل والتجريب بينما يفتقر العالم العربي إلى معاهد متخصصة قوية في فنون الرسوم المتحركة وإلى صناعة متكاملة تدعم الموهبة على المدى الطويل وهو ما أشار إليه تقرير اليونسكو حول الصناعات الثقافية العربية الذي أكد هشاشة البنية التحتية الإبداعية مقارنة بالغرب.
الرقابة الثقافية والاجتماعية تشكل قيدًا إضافيًا يحدّ من تطور الكرتون العربي حيث تُفرض خطوط حمراء واسعة على الخيال والأسئلة الوجودية والاختلافات الفكرية ما يؤدي إلى أعمال خجولة تخشى الصدام أو الابتكار. في حين سمحت البيئات الغربية لصناع الكرتون بطرح موضوعات مثل الهوية والموت والخوف والفشل بأساليب رمزية ذكية كما نرى في أعمال مثل Inside Out أو Avatar وهو ما جعل هذه الأعمال تعيش طويلًا في ذاكرة الجمهور.
ولا يمكن إغفال غياب الجمهور المستهدف الحقيقي في العالم العربي إذ لا تزال معظم المؤسسات تنظر إلى الطفل بوصفه متلقيًا سلبيًا يجب حمايته من الأسئلة بدل تحفيزه على التفكير. بينما تؤكد دراسات علم نفس الطفل مثل أبحاث جان بياجيه أن الطفل قادر على استيعاب مفاهيم معقدة إذا قُدمت له ضمن سرد قصصي ذكي وهو ما فهمه صناع الكرتون في الغرب واستثمروه بذكاء.
في النهاية لا يمكن القول إن الكرتون العربي فاشل بطبيعته بل هو ضحية منظومة ثقافية وإنتاجية متعثرة تحتاج إلى ثورة فكرية قبل أن تكون تقنية. فحين يُمنح الخيال حريته ويُحترم عقل الطفل وتُبنى صناعة حقيقية تحترم الكاتب قبل الرسام يمكن للكرتون العربي أن يتحول من منتج باهت إلى قوة ناعمة قادرة على المنافسة والتأثير تمامًا كما فعل الغرب حين آمن بأن الرسوم المتحركة فن لا يقل قيمة عن أي شكل آخر من أشكال السينما.




