اعتقال مادورو: عاصفة قانونية حول المداهمة الأميركية و«ملف الـ25 عامًا»

يثير توقيف قوات خاصة أميركية للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما إلى الولايات المتحدة لمواجهة اتهامات بـ«الناركو-إرهاب» سلسلة أسئلة قانونية، من بينها ما إذا كان القبض عليهما خلال مداهمة ليلية قد خالف القانون الأميركي أو القانون الدولي.
وبحسب بلومبيرغ اليوم الأربعاء، فقد وُصفت العملية التي جاءت بعد أشهر من العمل الاستخباراتي بأنها غير قانونية من قبل مسؤول أممي رفيع، كما تعرّضت لانتقادات من دول بينها البرازيل والمكسيك وكولومبيا. في المقابل، قدّم الرئيس دونالد ترامب وإدارته تبريرات متعددة لاعتقال الرئيس الاستبدادي غير الشعبي، بالتزامن مع تعهّدهم «بإدارة البلاد» إلى حين العثور على قائد جديد.
مادورو، الذي دفع ببراءته من التهم الأميركية في قاعة محكمة بمانهاتن بتاريخ 5 كانون الثاني/يناير، يُتوقع أن يثير هذه القضايا ضمن دفاعه، إلا أن مدى تأثير تلك الحجج غير واضح الآن بعد وجوده على الأراضي الأميركية. وحتى لو وُجدت مخالفات قانونية، فقد يكون أثرها الأكبر هو تقويض الأعراف الدولية أكثر من التأثير في نتيجة قضيته، وفق ما أوردته بلومبيرغ.
وفيما يلي ما نعرفه حتى الآن عن التداعيات القانونية، بحسب بلومبيرغ:
كيف برّر المسؤولون الأميركيون العملية؟
تقدّم إدارة ترامب الهجوم على فنزويلا باعتباره مسألة إنفاذ قانون، حيث ساعد الجيش الأميركي وزارة العدل في القبض على متهم جرى توجيه الاتهام إليه للمرة الأولى بتهم «ناركو-إرهاب» قرب نهاية ولاية ترامب الأولى، في ملف تعثر لفترة لأن مادورو لم يكن محتجزًا.
وجاء توقيف مادورو في 3 كانون الثاني/يناير مترافقًا مع لائحة اتهام موسّعة تتهم الزعيم المخلوع البالغ 63 عامًا بأداء دور محوري في «مؤامرة واسعة» على مدى 25 عامًا لتهريب الكوكايين إلى الولايات المتحدة بمساعدة جماعات إقليمية للمخدرات والإرهاب. ورغم أن فنزويلا تُعدّ نقطة عبور للكوكايين المزروع والمُعالج في كولومبيا وبوليفيا وبيرو وفق مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، فإن معظم الكوكايين الذي يدخل الولايات المتحدة يأتي عبر المكسيك وفق إدارة مكافحة المخدرات الأميركية (DEA).
وفي 5 يناير/كانون الثاني، قال مايك والتز، سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، أمام اجتماع طارئ لمجلس الأمن إن مادورو ساعد في إغراق الولايات المتحدة بالمخدرات وحقق أرباحًا من «بؤس» الأميركيين والفنزويليين. وكرّر ادعاء إدارة ترامب بأن التحرك العسكري الأميركي كان مبررًا لأن الاحتياطات النفطية الهائلة للبلاد تقع تحت سيطرة «قادة غير شرعيين»، بحسب بلومبيرغ.
وقال والتز: «لا يمكن أن تستمر أكبر احتياطات الطاقة في العالم تحت سيطرة أعداء الولايات المتحدة… لقد منح الرئيس ترامب الدبلوماسية فرصة. وعرض على مادورو أكثر من مخرج».
ويستند هذا التبرير أيضًا إلى تفسيرات سابقة للضربات الأميركية القاتلة الأخيرة ضد قوارب يُزعم ارتباطها بالمخدرات في البحر الكاريبي بوصفها أعمال «دفاع عن النفس». وبحسب إشعار أرسله البنتاغون إلى الكونغرس بتاريخ 2 تشرين الأول/أكتوبر، خلصت الإدارة إلى أن الولايات المتحدة منخرطة في «نزاع مسلح غير دولي» مع عصابات مخدرات في أميركا اللاتينية، وأن أفعال تلك العصابات «تشكّل هجومًا مسلحًا على الولايات المتحدة».
وأثارت عملية الإطاحة بمادورو مقارنات مع الغزو الأميركي لبنما عام 1989 الذي أدى إلى إزاحة الديكتاتور مانويل نورييغا. ففي إطار «عملية القضية العادلة (Operation Just Cause)»، نُشر 26 ألف جندي أميركي لإزاحة نورييغا بعد توجيه اتهامات له في الولايات المتحدة بتهريب المخدرات وغسل الأموال. وبعد أسابيع من القتال، استسلم نورييغا، ونُقل جوًا إلى ميامي، وأدين لاحقًا في محكمة فيدرالية. وعلى خلاف حالة مادورو، كان نورييغا قد أعلن قبل الغزو حالة حرب بين بنما والولايات المتحدة، كما تعرّض جندي أميركي أعزل يرتدي ملابس مدنية لهجوم وقتل على يد جنود بنميين.
ما قضايا القانون الدولي التي تثيرها العملية؟
قال خبراء قانونيون إن الهجوم الأميركي على فنزويلا يُعدّ على الأرجح انتهاكًا واضحًا للمادة 2(4) من ميثاق الأمم المتحدة، وهي ركيزة أساسية في القانون الدولي تهدف إلى تعزيز السلام وتجنب فظائع الحربين العالميتين في القرن العشرين.
وتحظر هذه المادة على الدول الأعضاء في الأمم المتحدة استخدام القوة أو التهديد باستخدامها «ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة» إلا في حالة الدفاع عن النفس.
وقالت ليا بريلماير، أستاذة القانون الدولي في كلية الحقوق بجامعة ييل، إن هذا النص «هو العبارة الأهم والأكثر مركزية في قاعدة عدم الاعتداء»، مضيفة: «الفكرة العامة أنك لا يفترض أن ترتكب عدوانًا على دول أخرى».
وبعد الهجوم، استند والتز في حديثه على قناة فوكس نيوز إلى استثناء الدفاع عن النفس الوارد في المادة 51، التي تقر بحق الدولة في الدفاع عن نفسها «إذا وقع هجوم مسلح». ويعني هذا التبرير أن الإدارة ترى أن للولايات المتحدة حق مهاجمة فنزويلا بسبب أنشطة «الناركو-إرهابيين» الذين يهرّبون الكوكايين إلى الأراضي الأميركية.
لكن ليس واضحًا أن صلات مادورو المزعومة بهذه الجماعات ترقى إلى «هجوم مسلح» وفق المادة 51 ذات العتبة المرتفعة. ووصفت بريلماير الفكرة بأنها «سخيفة»، قائلة إن سلوك مجموعات المخدرات «ليس غزوًا وليس هجومًا مسلحًا».
أما مونيكا حكيمي، أستاذة القانون في جامعة كولومبيا والمحررة المشاركة ورئيسة التحرير المشاركة في المجلة الأميركية للقانون الدولي، فقالت في بيان إن الهجوم قد يترك أثرًا كبيرًا على مستقبل القانون الدولي. وأضافت: «برأيي، هو يعكس ويزيد من الاتجاهات التي تعمل على تفكيك سلطة الدول كدول ضمن حدودها الإقليمية والبحرية المحددة… وهذه اتجاهات خطيرة جدًا وقد تُحدث آثارًا متسلسلة حول العالم»، وفق تحليل بلومبيرغ.
ما قضايا القانون الأميركي التي تثيرها العملية؟
يرى بعض منتقدي الهجوم أنه خالف قانون صلاحيات الحرب لعام 1973 لأن ترامب لم يحصل على تفويض من الكونغرس لخوض نزاع مسلح. وقد طُرح هذا الجدل قبل أشهر عندما بدأت إدارة ترامب تنفيذ هجمات قاتلة على قوارب يُزعم أنها مرتبطة بالمخدرات في البحر الكاريبي، والتي اعتُبرت تمهيدًا للهجوم البري الذي انتهى بتوقيف مادورو.
وبموجب المادة الثانية من الدستور، يُعد الرئيس القائد الأعلى للجيش والبحرية، لكن وفق المادة الأولى تبقى سلطة إعلان الحرب بيد الكونغرس الذي لم يوافق على هجمات القوارب ولا على هجوم كاراكاس ما يجعل الأساس الدستوري للعملية غير واضح.
في المقابل، دافع جمهوريون في الكونغرس ومسؤولون في إدارة ترامب عن استخدام القوة دون موافقة الكونغرس، مستندين إلى السلطة الدستورية الواسعة للرئيس لحماية مصالح الأمن القومي. كما قال وزير الخارجية ماركو روبيو إن ترامب لم يحتج إلى تفويض من الكونغرس لأن عملية القبض على مادورو لم تكن «غزوًا» أو حملة عسكرية بالمعنى التقليدي.
ماذا عن حصانة القادة السيادية من الملاحقة؟
من المتوقع أن يدفع مادورو أمام المحكمة بأن التهم يجب إسقاطها لأنه يتمتع بالحصانة بوصفه رئيس دولة سياديًا. ووفق عرف راسخ في القانون الدولي، يتمتع رؤساء الدول أثناء وجودهم في مناصبهم وبعض كبار المسؤولين بحصانة من الملاحقة القضائية أمام دول أجنبية.
وقد أُكد هذا المفهوم في حكم أصدرته محكمة العدل الدولية عام 2002 في قضية سعت فيها بلجيكا لتنفيذ مذكرة توقيف بتهم جرائم حرب ضد وزير خارجية جمهورية الكونغو الديمقراطية؛ إذ خلصت المحكمة إلى أن مذكرة التوقيف البلجيكية «فشلت في احترام الحصانة» التي يتمتع بها الوزير أثناء توليه المنصب.
وقال باري بولاك، محامي الدفاع في واشنطن الذي مثّل مادورو أثناء جلسة مثوله الأولى، في جلسة 5 كانون الثاني/يناير بمانهاتن إن الزعيم المخلوع «هو رئيس دولة ذات سيادة، ويستحق الامتيازات التي ترافق ذلك».
هل يمكن أن تساعد الأسئلة القانونية حول الاعتقال دفاع مادورو؟
أضاف بولاك كذلك أن مادورو سيطعن في ظروف «اختطافه العسكري» على يد القوات المسلحة الأميركية، لكن كسب هذا الطعن قد يكون صعبًا.
فبموجب سابقة قديمة للمحكمة العليا الأميركية تُعرف بعقيدة Ker-Frisbie، يمكن للمحاكم الأميركية الاحتفاظ بالاختصاص على المتهمين حتى لو كانت طريقة إحضارهم إلى الولايات المتحدة قد تكون غير قانونية. وقد ثبّتت المحكمة العليا هذا المبدأ عام 1992 عندما حكم القضاة بأن مواطنًا مكسيكيًا اختُطف قسرًا من منزله ونُقل إلى الولايات المتحدة بطائرة خاصة يجب أن يواجه المحاكمة بتهمة قتل عميل فيدرالي.
ويزداد الأمر تعقيدًا بالنسبة لمادورو بسبب خلاصة إدارة ترامب ومعظم الدول الغربية بأن مادورو زوّر آخر انتخابات رئاسية في فنزويلا، وبالتالي لم يكن رئيسًا شرعيًا قائمًا.




