مارتن سكورسيزي: مهندس القلق الإنساني وصوت السينما الراقي


مارتن سكورسيزي (إنترنت)
يحتلّ المخرج الأميركي مارتن سكورسيزي مكانة استثنائية في تاريخ السينما العالمية، بوصفه أحد أكثر المبدعين قدرة على تحويل الفيلم إلى تجربة فكرية وأخلاقية وجمالية في آن واحد. فمنذ ظهوره في أواخر ستينيات القرن العشرين، لم يتعامل سكورسيزي مع السينما كوسيلة ترفيه خالصة، بل كفنّ يطرح الأسئلة القلقة حول العنف والهوية والإيمان والسلطة والعزلة. هذا التوجّه، الذي يتتبّعه النقاد في دراسات منشورة ضمن أرشيف American Film Institute، جعل أعماله مرآة حادة للمجتمع الأميركي الحديث، بكل تناقضاته وانكساراته.
نشأ سكورسيزي في حيّ ليتل إيتالي بنيويورك، وهي بيئة تركت أثرًا عميقًا في رؤيته السينمائية، حيث امتزجت التقاليد الدينية الكاثوليكية بثقافة الشارع والجريمة المنظمة. وقد أشار سكورسيزي نفسه، في حواراته المجمعة في كتاب Scorsese on Scorsese، إلى أن طفولته المريضة جسديًا جعلته مراقبًا للحياة أكثر منه مشاركًا فيها، وهو ما انعكس في حسّه البصري الدقيق وقدرته على التقاط التفاصيل النفسية للشخصيات. هذه الخلفية أنتجت سينما مشبعة بالصراع الداخلي، حيث لا يوجد خير مطلق أو شر خالص، بل منطقة رمادية تتصارع فيها الدوافع والرغبات والذنب.
تميّزت أفلام سكورسيزي بلغة سينمائية خاصة، تعتمد على حركة كاميرا جريئة ومونتاج إيقاعي حاد واستخدام ذكي للموسيقى الشعبية، لا سيما موسيقى الروك، بوصفها عنصرًا سرديًا يعبّر عن الحالة النفسية للشخصيات. وقد تناولت دراسات منشورة في مجلة Cahiers du Cinéma هذا الأسلوب بوصفه ثورة على السرد الكلاسيكي، إذ تحوّل الفيلم عند سكورسيزي إلى تدفّق شعوري يعكس الفوضى الداخلية للشخصيات، كما يظهر بوضوح في Taxi Driver وGoodfellas، حيث تتكامل الصورة والصوت والمونتاج لخلق تجربة حسية مكثفة.
لم يكن العنف في سينما سكورسيزي عنصرًا استعراضيًا، بل أداة تحليل اجتماعي ونفسي. ففي أفلام مثل Raging Bull وCasino، يُقدَّم العنف باعتباره نتيجة حتمية لفقدان السيطرة الداخلية، لا كفعل بطولي. وقد أكّد الناقد روجر إيبرت، في مراجعاته المنشورة عبر Chicago Sun-Times، أن سكورسيزي يصوّر العنف ليكشف آثاره التدميرية على الفرد والمجتمع، وهو ما يضع المشاهد في مواجهة غير مريحة مع ذاته، بدل منحه متعة سطحية عابرة.
أسهم سكورسيزي أيضًا في إعادة تعريف صورة البطل السينمائي، مقدّمًا شخصيات مأزومة، أنانية، وأحيانًا مدمّرة لذاتها، كما في The Wolf of Wall Street وThe Irishman. هذه الشخصيات لا تسير نحو الخلاص بقدر ما تكشف فراغ القيم في عالم تحكمه السلطة والمال. وقد ربطت دراسات منشورة في مجلة Sight & Sound هذا التوجّه بتأثير سكورسيزي على جيل كامل من المخرجين المعاصرين، مثل كوينتن تارانتينو وبول توماس أندرسون، الذين تبنّوا فكرة البطل الإشكالي بوصفه أداة نقد ثقافي.
إلى جانب إنجازاته الإخراجية، يُعدّ سكورسيزي واحدًا من أبرز المدافعين عن تراث السينما العالمية. فقد أسّس “The Film Foundation” بهدف ترميم وحفظ الأفلام الكلاسيكية المهددة بالضياع، وهو مشروع ثقافي تناولته تقارير منشورة على موقع The Criterion Collection بوصفه مساهمة تاريخية في حماية الذاكرة البصرية للقرن العشرين. كما عبّر سكورسيزي، في مقالات رأي نشرتها The New York Times، عن قلقه من تراجع دور السينما كفنّ مستقل أمام هيمنة الإنتاج التجاري السريع، مؤكدًا أن فقدان الوعي بتاريخ السينما يعني فقدان القدرة على تطوير مستقبلها.
تتجلّى أهمية سكورسيزي كذلك في تعامله مع التاريخ والدين والسياسة، كما في أفلام مثل The Last Temptation of Christ وSilence، حيث تتحوّل الأسئلة الإيمانية إلى صراع إنساني عميق بعيدًا عن الوعظ المباشر. وقد تناولت دراسات أكاديمية منشورة عبر Journal of Religion & Film هذه الأعمال بوصفها نماذج نادرة للسينما التي تجرؤ على مساءلة المقدّس دون إنكار الإيمان، وهو ما عزّز صورة سكورسيزي كمخرج لا يخشى المناطق الحساسة فكريًا وثقافيًا.
يمكن القول إن مارتن سكورسيزي لم يؤثر في عالم السينما عبر أفلامه فقط، بل عبر موقفه الفكري من هذا الفن، بوصفه أداة وعي ومقاومة ونقد. لقد أعاد تعريف العلاقة بين المخرج والواقع، وبين الصورة والضمير الإنساني، وترك بصمة واضحة في لغة السينما وأسئلتها الكبرى. ولهذا، يبقى سكورسيزي أحد القلائل الذين لم يصنعوا أفلامًا تُشاهد فحسب، بل أعمالًا تُناقش وتُدرّس وتبقى حيّة في الذاكرة الثقافية العالمية.




