لماذا لا يلوّح الديمقراطيون بإغلاق حكومي جديد هذه المرة ؟

بحسب صحيفة وول ستريت جورنال، يبدو أن شهية الحزب الديمقراطي الأميركي لاستخدام سلاح الإغلاق الحكومي قد تراجعت بشكل واضح، بعد التجربة القاسية التي شهدتها الولايات المتحدة خلال الإغلاق القياسي الذي استمر 43 يومًا، وما خلّفه من أضرار اجتماعية وإنسانية طالت ملايين الأسر الأميركية.
السناتورة الديمقراطية جاكي روزن عن ولاية نيفادا كانت من بين مجموعة صغيرة من الديمقراطيين الذين كسروا صفوف حزبهم في تشرين الثاني الماضي، وساهموا في إنهاء الإغلاق الحكومي. وبرّرت روزن موقفها آنذاك بما وصفته بـ«الألم والمعاناة التي لا يمكن تصورها» والتي لحقت بالطبقة العاملة، مشيرة إلى توقف المساعدات الغذائية وتعطّل حركة الطيران في ولايتها التي يعتمد اقتصادها بشكل كبير على السياحة، وفق ما نقلته وول ستريت جورنال.
وخلف الكواليس، كان لواقعة مأساوية تأثير بالغ على قرار روزن، إذ أقدمت امرأة تبلغ من العمر 44 عامًا على الانتحار بعد أن فقدت عملها بسبب الإغلاق وكانت على وشك البدء بوظيفة جديدة في قاعدة كريتش الجوية في نيفادا. المرأة، التي عانت من مشكلات صحية وكانت تستخدم عكازًا، كتبت في رسالة وداع أنها لا تريد أن تشكّل عبئًا ماليًا على أسرتها، بعد أن عجزت عن إيجاد عمل بديل واضطر زوجها، وهو متعاقد حكومي أيضًا، للبحث عن وظيفة ثانية لتغطية النفقات. وقالت روزن في مقابلة صحفية إن هذه الحادثة «ذكّرتها بأن قرارات الكونغرس لا تُتخذ في فراغ، بل لها عواقب حقيقية على حياة الناس»، بحسب وول ستريت جورنال.
ومع عودة المشرّعين إلى واشنطن، يواجه الكونغرس مرة أخرى مهلة ضيقة لا تتجاوز أسابيع قليلة للتوصل إلى اتفاق يمول الحكومة الفيدرالية قبل انتهاء العمل بقانون التمويل المؤقت في نهاية كانون الثاني/ يناير. وخلال الجولة السابقة، حاول الديمقراطيون استخدام الإغلاق كورقة ضغط لإجبار الجمهوريين على تمديد الدعم الموسّع للتأمين الصحي ضمن قانون الرعاية الصحية الميسّرة، وهي خطوة لم تنجح تشريعيًا لكنها منحت الحزب مكاسب سياسية، إذ قدّم نفسه كمدافع عن الرعاية الصحية للأميركيين، في حين اعتبر جمهوريون كثر أن تلك الإعانات تمثل إنفاقًا مفرطًا، وفق الصحيفة.
غير أن تداعيات الإغلاق الأخير دفعت جناحًا وسطيًا داخل الحزب الديمقراطي إلى إعادة حساباته، بعدما خلص إلى أن الضرر الذي لحق بالأسر الأميركية – وغالبيتها من الفئات التي يقول الحزب إنه يسعى لحمايتها – كان أكبر من أي مكسب سياسي محتمل، كما أشارت وول ستريت جورنال.
عدد من أعضاء الحزب عبّروا صراحة عن عدم ارتياحهم لفكرة التسبب بإغلاق جديد مع بداية العام. وقال السناتور جاك ريد، عضو لجنة الاعتمادات في مجلس الشيوخ، إن احتمال حدوث إغلاق جديد «غير مرجّح»، بينما وصف السناتور أنغوس كينغ الوضع بأنه «مستبعد إلى حد كبير».
من جهته، أكد زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر في مقابلة تلفزيونية في مطلع كانون الثاني أن البلاد لا تتجه نحو إغلاق جديد، موضحًا أن تمويل الحكومة وتمديد إعانات التأمين الصحي يسيران على مسارين تفاوضيين منفصلين، بحسب وول ستريت جورنال.
وفي محاولة لتقليص المخاطر، أعلن المشرّعون هذا الأسبوع عن حزمة تمويل تشمل وزارات الداخلية والطاقة والتجارة والعدل، مع إمكانية إقرارها في مجلس النواب قريبًا، بهدف تحصين أجزاء إضافية من الحكومة من أي تعطيل محتمل.
ورغم ذلك، لا تزال الانقسامات قائمة. فمحاولة فاشلة في كانون الأول لإقرار مجموعة من مشاريع الإنفاق أظهرت أن سيناريو الإغلاق لا يمكن استبعاده كليًا، خصوصًا مع بقاء تسعة من أصل اثني عشر مشروع موازنة سنوية دون إقرار حتى الآن. ويملك الجمهوريون أغلبية ضئيلة في مجلس الشيوخ (53 مقابل 47)، لكن تمرير معظم التشريعات يتطلب 60 صوتًا.
وبحسب وول ستريت جورنال، تعثرت المفاوضات مؤخرًا عندما أعلنت إدارة البيت الأبيض نيتها إعادة هيكلة المركز الوطني لأبحاث الغلاف الجوي، ما أثار اعتراض السيناتورين الديمقراطيين عن ولاية كولورادو اللذين قاما بعرقلة حزمة الإنفاق دفاعًا عن المركز. وزادت حدة التوتر بعد أن استخدم الرئيس دونالد ترامب حق النقض ضد تشريع يتعلق بمشروع مائي في الولاية نفسها، في خطوة وصفها السناتور مايكل بينيت بأنها «حملة انتقام سياسي».
وفي ظل هذه الأجواء، لا يزال بعض الديمقراطيين يلوّحون بإمكانية استخدام قوانين الإنفاق كوسيلة ضغط، في حين يرى الجمهوريون أن قيادة الحزب الديمقراطي تحاول تجنب تحمّل اللوم مجددًا عن أي شلل حكومي. وقال السناتور الجمهوري جون باراسو إن الديمقراطيين «دفعوا ثمنًا سياسيًا كبيرًا خلال الإغلاق السابق»، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن ذلك «لا يعني أن جميعهم يرفضون تكرار التجربة».
وتشير وول ستريت جورنال إلى أن هذا التحول يعكس تراجعًا عن موقف أكثر تشددًا ساد قبل أشهر، حين كان الديمقراطيون يسعون لمواجهة ما اعتبروه تجاوزات رئاسية وتقاعسًا تشريعيًا. آنذاك، برّر كثيرون داخل الحزب تحمّل كلفة الإغلاق باعتباره ضروريًا للحفاظ على إعانات التأمين الصحي التي يستفيد منها نحو 20 مليون أميركي.
لكن تلك الإعانات انتهت فعليًا، ولم تنجح المساعي لإحيائها. وتشير تقديرات مكتب الموازنة في الكونغرس إلى أن تمديد الدعم الصحي لمدة ثلاث سنوات سيضيف نحو 83 مليار دولار أميركي إلى العجز الفيدرالي، وهو ما يثير تحفظات واسعة داخل الحزب الجمهوري، رغم دعوات بعض المعتدلين لإقرار تمديد محدود لمدة عام واحد لتجنب خسائر انتخابية محتملة في الخريف المقبل.



