النحاس عند مستوى قياسي جديد

قفزت أسعار النحاس إلى مستويات غير مسبوقة، مواصلة موجة صعود قوية دفعتها إلى تجاوز حاجز 13 ألف دولار للطن للمرة الأولى، في ظل تصاعد المخاوف من تشدد المعروض عالمياً بعد تركز كميات كبيرة من المخزونات داخل الولايات المتحدة، على خلفية رهانات المستثمرين على فرض رسوم جمركية محتملة على المعدن المكرر.
وفقاً لمصادر بلومبيرغ اليوم , سجلت عقود النحاس لثلاثة أشهر في بورصة لندن للمعادن، اليوم الثلاثاء، ارتفاعاً بنسبة وصلت إلى 2.2% لتبلغ مستوى قياسياً عند 13,283 دولاراً للطن، متجاوزة الذروة التي سُجلت في الجلسة السابقة. كما ارتفع السعر الفوري إلى 13,264 دولاراً للطن بحلول الساعة الواحدة ظهراً بتوقيت شنغهاي، بعد مكاسب تجاوزت 4% يوم الاثنين.
وجاء هذا الارتفاع مدفوعاً بتزايد القلق من أن تؤدي سياسات تجارية أميركية محتملة إلى سحب المعروض من الأسواق العالمية، إذ أدت التوقعات بفرض رسوم جمركية من قبل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى جذب شحنات النحاس إلى الولايات المتحدة، ما يهدد بحدوث نقص في بقية الأسواق.
كما اشار لي شيويجي، رئيس قسم الأبحاث في شركة «كاوس ترنري فيوتشرز»، إن المخزونات التي كانت تُستخدم سابقاً كوسادة لتخفيف تقلبات السوق لم تعد تلعب هذا الدور. وأضاف: «كانت المخزونات تعمل كعازل، لكنها الآن محتجزة داخل الولايات المتحدة، ومع اختفاء هذا العازل سيضطر الجميع إلى التسابق لتأمين الإمدادات».
بالاضافة , شهدت المعادن الأساسية عموماً انطلاقة قوية مع بداية عام 2026، إذ ارتفع مؤشر LMEX، الذي يقيس أداء ستة معادن رئيسية من بينها النحاس، إلى أعلى مستوى له منذ اذار/مارس 2022. وحقق النحاس، المستخدم على نطاق واسع في الأسلاك والكابلات، مكاسب تجاوزت 20% منذ أواخر تشرين الثاني/نوفمبر ، فيما صعد الألمنيوم إلى أعلى مستوى له منذ أكثر من ثلاث سنوات.
وتعود جذور هذا التحول في تدفقات النحاس إلى النصف الأول من العام الماضي، حين أدت تصريحات الرئيس ترامب إلى اندفاع واسع لشحن المعدن إلى الولايات المتحدة، قبل أن تقرر إدارته لاحقاً استثناء النحاس المكرر من الرسوم الجمركية، ما تسبب في تهدئة مؤقتة. إلا أن هذه التجارة عادت إلى النشاط في الأشهر الأخيرة بعد إعادة طرح مسألة الرسوم، ما دفع الأسعار المحلية في الولايات المتحدة إلى التداول بعلاوة من جديد. ونتيجة لذلك، قفزت واردات الولايات المتحدة من النحاس في كانون الاول/ديسمبر إلى أعلى مستوى لها منذ تموز/يوليو.
ويرى محللون أن موجة الصعود الحالية لا تستند فقط إلى العوامل التجارية، بل تعززها أيضاً توقعات قوية للطلب العالمي، في ظل الدور المحوري للنحاس في قطاعات تشهد نمواً متسارعاً مثل الطاقة المتجددة، ومراكز البيانات، وشبكات الكهرباء. وفي هذا السياق، قال لي شيويجي: «المنطق الكامن وراء هذا الارتفاع لا يزال قائماً، والمهم هو متابعة الاتجاه العام بدلاً من التركيز على مستويات الأسعار المطلقة».
وفي نفس السياق , كان كوستاس بينتاس، رئيس قطاع المعادن في شركة «ميركوريا إنرجي غروب»، قد حذر في مقابلة سابقة من أن اندفاع الاستيراد الأميركي قد يترك بقية العالم دون إمدادات كافية من النحاس، واصفاً هذه المرحلة بأنها «الموجة الكبرى» بالنسبة للمراهنين على صعود الأسعار.
وعلى صعيد السياسات، وجّه الرئيس ترامب وزارة التجارة الأميركية إلى تقديم تقرير محدث حول أوضاع سوق النحاس في الولايات المتحدة بحلول نهاية حزيران/يونيو المقبل، وهو الموعد المتوقع لاتخاذ قرار بشأن فرض رسوم جمركية على النحاس المكرر. وكانت الوزارة قد اقترحت في وقت سابق فرض رسم بنسبة 15% بدءاً من عام 2027، يرتفع إلى 30% في 2028، غير أن البيت الأبيض لم يؤكد هذا الجدول الزمني حتى الآن.
وفي الوقت نفسه، وفقاً لبلومبيرغ , تظهر البيانات تسارعاً في تكدس المخزونات داخل الولايات المتحدة، إذ تجاوزت كميات النحاس المخزنة في مستودعات «كومكس» نصف مليون طن قصير، بعد 44 يوماً متتالياً من صافي التدفقات الداخلة. وعلى النقيض، تقلصت المخزونات في مستودعات بورصة لندن للمعادن بنحو النصف خلال العام الماضي، وإن بقيت أعلى من المستوى المتدني المسجل في حزيران/يونيو.
ختاماً , تشير مؤشرات السوق الأخرى إلى مزيد من التشدد في المعروض، إذ يتم تداول الأسعار الفورية للنحاس في بورصة لندن بعلاوة تقارب 42 دولاراً للطن فوق عقود الثلاثة أشهر، في هيكل سعري يعكس ضغوطاً قصيرة الأجل على الإمدادات. كما اتسعت الفجوة بين عقود التسليم القريب والبعيد في بورصة «كومكس» خلال الأشهر الماضية، ما يعزز التوقعات باستمرار قوة الأسعار في المدى القريب.




