أوروبا مهددة بالتخلّف عن سباق الفضاء العالمي مع تقدّم التنظيم على بناء القدرات

مع تحوّل الفضاء بسرعة إلى ساحة صراع استراتيجية لا تقل أهمية عن البر والبحر والجو، تجد أوروبا نفسها مهددة بالتخلّف عن سباق الفضاء العالمي، في وقت تشير فيه التقديرات إلى أن نهجها القائم على «التنظيم أولًا ثم المنافسة لاحقًا» قد لا يكون كافيًا لمواجهة التحديات المتسارعة، بحسب تحليل نشرته بلومبيرغ.
ويبرز هذا الخلل بوضوح في اعتماد أوكرانيا شبه الكامل على منظومة «ستارلينك» التابعة لشركة «سبيس إكس» الأميركية في الاتصالات العسكرية، وهو اعتماد كشف، وفق بلومبيرغ، ثغرة استراتيجية يحاول الاتحاد الأوروبي معالجتها بصعوبة. فمنذ اندلاع الحرب مع روسيا، اعتمدت أوكرانيا على كوكبة واحدة تضم أكثر من 8 آلاف قمر اصطناعي لإدارة الضربات واللوجستيات الميدانية، وهي قدرة لا تمتلك أوروبا حاليًا ما يوازيها من حيث الحجم أو الكفاءة.
ورغم إدراك الاتحاد الأوروبي لهذه الفجوة، فإن الاستجابة المقترحة قد تعيد إنتاج أخطاء سابقة ارتُكبت في التعامل مع تقنيات متقدمة أخرى، حيث غالبًا ما أدت القواعد الصارمة إلى أعباء تنظيمية مرتفعة وتكاليف إضافية، مع نتائج محدودة على صعيد بناء شركات قادرة على المنافسة عالميًا.
وفي هذا السياق، يبرز «قانون الفضاء» المقترح من الاتحاد الأوروبي كنموذج أساسي لهذا التوجّه. إذ يُقدَّم القانون، بحسب بلومبيرغ، بوصفه محاولة صريحة لـ«تشكيل المعايير والأعراف عالميًا» في مجالات سلامة الفضاء واستدامته. ويسعى المشروع إلى توحيد أكثر من اثنتي عشرة سياسة فضائية وطنية داخل دول الاتحاد، وهو هدف يبدو منطقيًا من حيث المبدأ، لا سيما أنه يتناول قضايا حقيقية مثل الازدحام المداري، والحطام الفضائي، والأمن السيبراني. إلا أن الإطار العام للقانون يهدد بتوسيع ما يُعرف بـ«تأثير بروكسل» إلى قطاع يتطلب استثمارات ضخمة ويعتمد على الابتكار السريع، في وقت تعاني فيه أوروبا أصلًا من تراجع واضح في هذا المجال.
وتُظهر الأرقام حجم التأخر الأوروبي. فالقارة لا تمثل سوى نحو 10% من إجمالي الاستثمار العام العالمي في الفضاء و22% من الاستثمار الخاص، مقابل أكثر من نصف هذه الاستثمارات مصدره الولايات المتحدة. كما انخفضت حصة أوروبا في سوق التصنيع والإطلاق إلى نحو 6% فقط، بعدما كانت تتجاوز 20% في عام 2008، في تراجع يعكس الصعود السريع لشركة «سبيس إكس»، إضافة إلى تراجع الربحية والإنتاجية في مجمل القطاع الأوروبي.
وتتجلى الفجوة بشكل أوضح عند مقارنة اقتصاديات الإطلاق. فصاروخ «أريان 6» الأوروبي، وهو صاروخ أحادي الاستخدام ويحظى بدعم حكومي كبير، نفّذ عددًا محدودًا فقط من عمليات الإطلاق منذ العام الماضي، وتُقدَّر كلفة الإطلاق الواحد بأكثر من 100 مليون دولار. في المقابل، أطلق صاروخ «فالكون 9» القابل لإعادة الاستخدام التابع لـ«سبيس إكس» أكثر من 160 مرة خلال العام الماضي وحده، مع كلفة تُقدَّر بنحو 70 مليون دولار للإطلاق الواحد. وبحسب بلومبيرغ، فإن عجز أوروبا عن خفض التكاليف سيجعل من الصعب عليها نشر كوكبة أقمار اصطناعية قادرة على المنافسة.
وقد حذّرت هيئات صناعية ومسؤولون حكوميون من أن «قانون الفضاء» قد يفاقم المشكلة بدل معالجتها، إذ يفرض التزامات مكلفة، خصوصًا على الشركات الصغيرة، ويشمل متطلبات غير قابلة للتطبيق حتى بالتقنيات الحالية. كما أن غياب معايير تقنية واضحة حتى الآن يحدّ من قدرة الشركات على التخطيط طويل الأمد. وتقدّر المفوضية الأوروبية أن القانون قد يضيف ما يصل إلى 10% إلى تكاليف شركات الأقمار الاصطناعية، في حين تشير دراسات أخرى إلى أن الأثر السلبي على الأرباح والاستثمار والبحث والتطوير قد يكون أكبر.
وتذهب بعض بنود القانون، وفق تحليل بلومبيرغ، إلى حد الحماية المباشرة، إذ تميّز متطلبات التسجيل والتمثيل القانوني ضد المشغّلين من خارج الاتحاد الأوروبي، بينما ستُطبَّق التزامات «الكوكبات الضخمة» و«العملاقة» عمليًا على الأنظمة الأميركية فقط. كما أن تولي وكالة الفضاء الأوروبية تشغيل الكوكبة الأوروبية وفي الوقت نفسه تقييم امتثال المنافسين الأجانب يثير تساؤلات حول الحياد والمصداقية. ولا تؤدي هذه التشوّهات إلى رفع التكاليف وإضعاف المنافسة فحسب، بل قد تُعرّض أيضًا التعاون مع الولايات المتحدة للخطر في مجالات حيوية مثل الاستشعار عن بُعد وإدارة الحطام الفضائي.
ورغم ذلك، يرى التقرير أن الفرصة لا تزال قائمة لتصحيح المسار. إذ يمكن للاتحاد الأوروبي تعديل مشروع القانون لتجنّب التداخل مع السلطات الوطنية وتخفيف الأعباء عن الشركات الصغيرة، إلى جانب اعتماد مبدأ التكافؤ التنظيمي مع الشركات التي تلتزم بالمعايير الدولية للسلامة والاستدامة بدل فرض متطلبات أحادية.
وفي المرحلة التالية، تحتاج أوروبا إلى إعطاء الأولوية لبناء القدرات بدل التركيز المفرط على الامتثال التنظيمي، لا سيما أن الفضاء أصبح عنصرًا أساسيًا في منظومات الدفاع، وهو مجال لا تزال أوروبا تنفق فيه أقل من المطلوب. ويُعد الاستثمار الألماني المخطّط بقيمة 41 مليار دولار في الدفاع الفضائي خطوة في الاتجاه الصحيح، كما أن توسيع تفويض وكالة الفضاء الأوروبية لتطوير أنظمة مزدوجة الاستخدام ذات طابع عسكري يُنظر إليه كخيار منطقي. غير أن التمويل يظل غير كافٍ، ما يستدعي مزيدًا من المشتريات المشتركة وقواعد أوضح للأنظمة مزدوجة الاستخدام. أما مشروع «IRIS2»، كوكبة أوروبا الرائدة المقرّر إطلاقها بحلول عام 2030، فسيبقى نجاحه مرهونًا بقدرة أوروبا على التنفيذ الفعلي والتسليم الموثوق، لا بالاحتماء خلف الأطر التنظيمية.



