الإفراط في التمرين… ثمن صحي باهظ

عندما يتحوّل التمرين القاسي إلى متلازمة الإفراط في التدريب، قد تصبح العواقب أخطر بكثير من مجرد آلام عضلية مؤقتة، وفق تقرير لبلومبيرغ اليوم الخميس.
يمكن لمعظم روّاد الصالات الرياضية من أصحاب الشخصية التنافسية أن يتذكّروا وقتًا دفعوا فيه أنفسهم إلى أقصى الحدود. ربما كانت حصة مفرطة في رفع الأثقال، أو قطع مسافات طويلة إضافية أثناء الجري، ما أدى إلى آلام في الركبة أو أسفل الظهر، أو تيبّس في المفاصل، أو وجع في العضلات. القيام بذلك مرة واحدة قد يسبب تعبًا لبضعة أيام، لكن تكراره باستمرار قد يقود إلى مشكلة صحية أكثر خطورة.
كل من تمرّن بجد يعرف معنى المبالغة في التمرين، لكن البقاء طويلًا في هذه الحالة قد يؤدي إلى حالة طبية تُعرف باسم متلازمة الإفراط في التدريب (Overtraining Syndrome – OTS).
يقول ديفيد إس. غازانيغا، جرّاح العظام ورئيس قسم طب الرياضة في Hoag Orthopedic Institute بجنوب كاليفورنيا، إن كل تدريب يهدف إلى تحدي الجسم كي يتكيّف ويتحسّن، لكن تعريض الجسم للضغط دون فترات كافية من الراحة والتعافي قد يقلب النتائج رأسًا على عقب. فبدلًا من تحقيق مكاسب، يبدأ الأداء والقوة العامة بالتراجع، ما يؤثر سلبًا على الصحة الجسدية والنفسية، وليس مجرد آلام في الساقين عند محاولة النزول عن الدرج صباح اليوم التالي.
ورغم الفوائد العديدة المثبتة للالتزام ودفع النفس في التمارين، فإن متلازمة الإفراط في التدريب لا تنتج عن تمرين مكثف واحد فقط، بل عن التكرار والتراكم. ويمكن لهذه المتلازمة أن تعطل وظائف الجسم الطبيعية، مسببة اختلالات هرمونية، وضعف جهاز المناعة، وتفكك أنسجة العضلات، أو حتى تلف الكلى. كما تزيد من خطر الإصابة بكسور الإجهاد، والتهاب الأوتار المزمن، وغيرها من إصابات الإفراط في الاستخدام، التي قد تُبعد المصاب عن التمارين لأشهر.
ويشير كولين روبرتسون، عالم التمارين والتغذية المقيم في المملكة المتحدة، والذي عمل مع رياضيين من فريق بريطانيا في أربع دورات أولمبية صيفية، إلى أن الأعراض قد تشمل أيضًا الصداع، والارتباك، واضطرابات في حركة الأمعاء، ولدى النساء عدم انتظام الدورة الشهرية. ويضيف أن التمرين العنيف لمدّة 45 دقيقة ستة أيام في الأسبوع دون راحة لا يسمح للجسم بالتكيّف، بل يفرض عليه ضغطًا سلبيًا مُنهكًا.
ويقول جيسون ليك، جرّاح العظام في OrthoArizona بولاية أريزونا، إن من الصعب جمع بيانات دقيقة حول عدد المصابين بهذه المتلازمة، لعدم وجود دراسات واسعة النطاق كافية لتحديد معدل انتشار دقيق. ومع ذلك، يؤكد الأطباء أنهم يشاهدون حالات أكثر، وأن العديد منها لا يتم الإبلاغ عنه أو يُخطأ في تشخيصه.
وتوضح جيليان كلاينر، اختصاصية العلاج الفيزيائي في Hinge Health بمدينة دنفر، أن رياضيي التحمل والأشخاص الذين يتدرّبون بأحجام أو شدّات عالية هم الأكثر عرضة للإصابة.
تجربة شخصية
بالنسبة لـ هانا إم. لي (27 عامًا)، بدأت رحلتها مع المتلازمة بدافع مهني. فقد كانت تتمرن مرتين يوميًا في أكتوبر 2024 لتعظيم قيمة اشتراكها في النادي والترويج لمشروعها الخاص ببيع أربطة الشعر. وبعد انتقالها حديثًا إلى نيويورك وسعيها لتحقيق الاستقرار المالي خلال أقل من عام، دخلت في ما وصفته بـ«وضع البقاء».
لكن خلال ثلاثة أشهر فقط، بدأت الخطة تأتي بنتائج عكسية. فقد ضحّت بالنوم، وألغت أيام الراحة، وقلّصت وقت التعافي إلى الصفر. وعند تتبّع مؤشرات صحتها على مدى ستة أشهر، لاحظت تقلبات في تباين معدل ضربات القلب، وكانت تلك أول إشارة إلى وجود مشكلة. وبعد ذلك بوقت قصير، شُخّصت رسميًا بمتلازمة الإفراط في التدريب.
وتقول إن أسوأ ما عانته كان الألم الشديد والتشنجات العضلية التي عجز حتى المعالجون بالتدليك عن تخفيفها.
الراحة أساس التعافي
توضح كلاينر أن التعب غالبًا ما يكون أول إنذار، يليه ضعف التعافي، وتراجع القوة أو السرعة، واضطرابات النوم، وتغيرات المزاج، والقلق والاكتئاب، وزيادة الالتهابات، وتكرار الأمراض. وعادةً تبلغ آلام ما بعد التمرين ذروتها خلال 24 إلى 72 ساعة، وتزول خلال أسبوع، لكن استمرارها لفترة أطول قد يكون مؤشرًا خطيرًا.
ويؤكد الأطباء أن الراحة عنصر أساسي في أي برنامج رياضي ناجح، وأن النوم هو أداة التعافي الأكثر فاعلية. لكن الراحة لا تعني الخمول التام، إذ يمكن للحركة الخفيفة مثل المشي، واليوغا، والتمدد أن تحسّن الدورة الدموية دون إرهاق الجسم.
وينصح الخبراء باتباع نهج متوازن في التمارين وتنويع الأنشطة، وهو ما ساعد هانا لي على التعافي عبر الاكتفاء بتمرين واحد يوميًا والتركيز على تمارين القوة التي تدعم أنشطة تحبها مثل التزلج والغولف والمشي الجبلي. ويختتم غازانيغا بأن التدريب المتنوع، بما في ذلك تمارين الثبات مثل اليوغا أو التاي تشي، يُعد من أفضل وسائل الوقاية من متلازمة الإفراط في التدريب، خاصة مع التقدم في العمر.




