Contact Us
Ektisadi.com
تعليم وثقافة

وجوه بلا رؤوس …أسطورة بلميز

Blemmyes Faces (google)

تُعدّ قصة وجوه بلميز الغريبة واحدة من أكثر الأساطير الإنسانية إثارة للدهشة، إذ تتحدث عن قومٍ بلا رؤوس، تقع وجوههم في صدورهم حيث العينان والفم. هذه الصورة الصادمة لم تولد من فراغ، بل تشكّلت داخل تراثٍ طويل من الروايات الجغرافية والأسطورية التي وثّقها مؤرخو العالم القديم، وعلى رأسهم الإغريق والرومان، الذين سعوا إلى تفسير المجهول في أطراف الأرض المعروفة آنذاك.

يُعدّ المؤرخ الإغريقي هيرودوت من أوائل من أشاروا، بصورة غير مباشرة، إلى شعوب عجيبة في إفريقيا في كتابه الشهير التواريخ حيث تحدّث عن أقوام غريبة تسكن أطراف ليبيا وإثيوبيا، وهو ما فتح الباب لاحقًا أمام خيال الكتّاب لتضخيم هذه الروايات. أما الوصف الأكثر وضوحًا فقد جاء مع العالم الروماني بلينيوس الأكبر في كتابه “التاريخ الطبيعي”، الذي ذكر صراحة قومًا بلا رؤوس، وجوههم في صدورهم، معتبرًا هذه الأخبار جزءًا من المعرفة الجغرافية المتداولة في عصر الإمبراطورية الرومانية، وهو ما منح الأسطورة صفة شبه علمية في زمنه.

في العصور الوسطى، أعيد إحياء قصة وجوه بلميز عبر كتب الرحلات التي مزجت الواقع بالخيال، وأشهرها كتاب “رحلات السير جون ماندفيل، الذي انتشر على نطاق واسع في أوروبا منذ القرن الرابع عشر. هذا الكتاب، رغم تشكيك الباحثين المعاصرين في مصداقيته، لعب دورًا محوريًا في ترسيخ صورة الأقوام العجيبة، ومن ضمنها بلميز، في الوعي الأوروبي، كما تشير دراسات تاريخ الأدب الوسيط التي تناولت تأثير هذا العمل على نظرة الغرب للعالم الخارجي.

وتؤكد الخرائط الأوروبية القديمة هذا الحضور القوي للأسطورة، إذ تظهر وجوه بلميز مرسومة عند أطراف القارات في خرائط العصور الوسطى، مثل خرائط الـMappa Mundi، وهو ما أشار إليه مؤرخو الكارتوغرافيا مثل ديفيد وودوارد في أبحاثه حول علاقة الخريطة بالخيال. فقد كانت هذه الرسومات تعبيرًا رمزيًا عن نهاية العالم المأهول وبداية المجهول، أكثر من كونها توصيفًا واقعيًا.

يرى باحثو الأنثروبولوجيا والتاريخ الحديث، استنادًا إلى دراسات حول قبائل البليميين التاريخيين في شمال إفريقيا، أن الأسطورة قد تكون تشويهًا متراكمًا لوصف قبائل حقيقية عُرفت بقوتها العسكرية ولباسها المميّز، كما ورد في كتابات مؤرخين بيزنطيين ورومان متأخرين. ويشير باحثون مثل فرانك ليسلي في دراساته عن أساطير الأطراف إلى أن انتقال الروايات شفهيًا عبر القوافل والرحالة كان كفيلًا بتحويل الاختلاف الثقافي إلى غرابة جسدية كاملة.

في المحصلة، تبقى قصة وجوه بلميز الغريبة مثالًا حيًا على التقاء التاريخ بالأسطورة، وعلى كيفية تشكّل المعرفة الإنسانية في زمنٍ كان فيه المجهول أوسع من المعلوم. وبينما دحض العلم الحديث وجود قومٍ بلا رؤوس، فإن استمرار ذكرهم في كتب هيرودوت وبلينيوس وخرائط العصور الوسطى وأدب الرحلات يؤكد أن بلميز لم يكونوا مجرد خرافة، بل انعكاسًا عميقًا لخوف الإنسان وفضوله تجاه العالم البعيد.