Contact Us
Ektisadi.com
طاقة

تكنولوجيا الاندماج النووي: نحو طاقة نظيفة ومستقبل مستدام رغم العقبات

 طاقة نظيفة-تحديات تقنية

لطالما شكّل الاندماج النووي مصدر إلهام للعلماء والباحثين، إذ يظل الحلم الأساسي يكمن في القدرة على استغلال العملية نفسها التي تولد طاقة النجوم لإنتاج كهرباء بأسعار منخفضة، بكميات كبيرة وبدون أي انبعاثات كربونية ضارة.

وعلى الرغم من أن هذه التكنولوجيا ما زالت في مراحلها التجريبية المبكرة بعد عقود طويلة من الدراسات والبحوث المكثفة، إلا أن ذلك لم يمنع عددًا من أثرى المستثمرين في العالم من ضخ رؤوس الأموال ودعم الشركات الناشئة التي تكافح لتجاوز أحد أصعب التحديات العلمية على الإطلاق.

وتصاعد الاهتمام بتقنية الاندماج النووي بالتزامن مع توسع مراكز البيانات، حيث تسعى شركات التكنولوجيا لتأمين مصادر طاقة مستقرة تعمل على مدار الساعة لدعم عمليات الحوسبة السحابية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.

وفي تطور غير متوقع أواخر عام 2025، كشفت شركة التواصل الاجتماعي المرتبطة بالرئيس الأميركي دونالد ترامب عن نيتها الاندماج مع شركة TAE Technologies Inc، المتخصصة في تطوير تقنيات الاندماج النووي, بحسب بلومبيرغ.

الفرق بين الانشطار النووي والاندماج النووي

يعتمد الانشطار النووي على تفكيك الذرات الثقيلة مثل اليورانيوم إلى ذرات أصغر مما يؤدي إلى تحرير الطاقة المخزنة داخل نواة الذرة. تُستغل هذه الطاقة الناتجة لتسخين الماء وتحويله إلى بخار يدير التوربينات لتوليد الكهرباء، وهو المبدأ الذي اعتمدت عليه محطات الطاقة النووية التجارية منذ عقود طويلة لتوفير الطاقة الكهربائية.

أما الاندماج النووي فيقوم على دمج ذرات خفيفة معًا لتكوين ذرة أثقل مثل اندماج نظائري الهيدروجين، ديوتيريوم وتريتيوم، لتكوين ذرة هيليوم. وتكون كتلة النواة الناتجة أقل قليلًا من مجموع الكتل الأصلية للذرات، ويُطلق الفرق في الكتلة على شكل طاقة هائلة وفقًا لمعادلة آينشتاين الشهيرة E = mc², وهو نفس النوع من الطاقة الذي يشعل النجوم ويجعل الشمس مصدرًا مستمرًا للطاقة.

فالاندماج النووي هو العملية التي تولد طاقة الشمس. ففي قلب النجوم، تتنافر النوى الموجبة مع بعضها البعض، إلا أن الجاذبية الهائلة تولد حرارة وضغطًا كافيين لاندماج الذرات. أما على الأرض، فتتطلب العملية درجات حرارة أعلى بكثير، تصل إلى نحو 150 مليون درجة مئوية، أي ما يعادل عشرة أضعاف حرارة مركز الشمس، لضمان تصادم الذرات وتحقيق التفاعل الاندماجي.

ولا يُصدر الانشطار أو الاندماج أي غازات دفيئة، فيما يوفر الاندماج مزايا أمان إضافية، إذ لا ينتج عنه نفايات مشعة عالية المستوى وطويلة العمر، كما لا توجد مخاطر لانهيار المفاعل. وإذا تحولت محطات الطاقة بالاندماج إلى واقع تجاري، يمكن بناؤها بالقرب من المناطق السكنية لتلبية الطلب على الكهرباء بشكل مباشر وآمن, وفق بلومبيرغ.

مدى قرب الاندماج من تحقيق الجدوى التجارية

تتطلب عملية دمج الذرات كميات هائلة من الطاقة لتجاوز القوى المتنافرة بين النوى، وهو ما جعل الوصول إلى تفاعل اندماجي مستدام تحديًا علميًا هائلًا على مدى عقود. ومع ذلك، حقق العلماء تقدمًا مهمًا في 2022 عندما تمكنوا من الوصول إلى مرحلة تُعرف بـ الاشتعال، إذ نجحوا في إنتاج تفاعل اندماجي متحكم فيه أنتج طاقة أكثر مما استُهلك لإطلاقه باستخدام ليزر ضخم، وهو إنجاز تاريخي أشار إلى فهم الفيزياء الأساسية وراء توليد الطاقة من الاندماج. وبعد عدة محاولات فاشلة سابقة، تمكن مختبر لورانس ليفرمور في كاليفورنيا من تكرار هذا الإنجاز في 2023، مما عزز الثقة في إمكانية تطوير الاندماج كمصدر للطاقة على المدى الطويل.

رغم تحقيق تفاعل اندماجي ينتج طاقة تفوق ما استُهلك لتفعيله بالليزر، إلا أن صافي الطاقة الناتجة كان محدودًا جدًا وفترة استمرارها قصيرة، ولم تصل إلى المستوى المطلوب لتغذية الشبكة الكهربائية بشكل مستمر. فبينما تجاوزت الطاقة الناتجة ما استهلكه الليزر ذاته، كانت ضئيلة مقارنة بالطاقة الإجمالية اللازمة لتشغيل نظام الليزر بأكمله.

ويشير بعض مطوري تقنيات الاندماج والخبراء المتفائلون إلى أن أول مفاعل قد يبدأ بتزويد الشبكة بالكهرباء خلال العقد المقبل، لكن العديد من الخبراء يرون أن هذا لن يتحقق إلا بعد 20 إلى 30 عامًا. وبناءً على هذا الإطار الزمني، من غير المرجح أن يلعب الاندماج دورًا فعالًا في خفض الانبعاثات العالمية إلى الصفر بحلول عام 2050، الهدف الضروري لتجنب أسوأ آثار تغير المناخ, وفق بلومبيرغ.

العقبات أمام انتشار تكنولوجيا الاندماج النووي

تواجه تكنولوجيا الاندماج عددًا من التحديات التقنية الكبرى التي يجب معالجتها لتجاوز الفجوة بين التجارب المختبرية الحالية والتطبيق التجاري على نطاق واسع. من أبرز هذه التحديات القدرة على بدء التفاعلات الاندماجية والتحكم فيها، واحتواؤها، والحفاظ على استدامتها بشكل مستمر دون انقطاع.

فعند درجات الحرارة الهائلة اللازمة لحدوث الاندماج، يتحول الهيدروجين إلى حالة البلازما، وهي غاز متأين فائق الحرارة لا يمكن أن يلامس أي مادة صلبة ولم يتوصل العلماء بعد إلى تقنية متقدمة تتيح احتواء البلازما والحفاظ على استقرارها لساعات أو أيام، وهو شرط أساسي لاستمرار التفاعل وإنتاج الطاقة بشكل عملي.

إضافة إلى ذلك، تُعد أنظمة الاندماج الحالية باهظة التكاليف سواء في البناء أو التشغيل ويتطلب الأمر تطوير سلاسل توريد متكاملة لتخفيض هذه النفقات وجعل التكنولوجيا قابلة للتوسع. وفي ظل هذه التحديات، تظل هناك بدائل طاقة منخفضة الكربون أكثر توفرًا وفعالية من حيث التكلفة، مثل طاقة الرياح والطاقة الشمسية، التي أثبتت جدواها بالفعل على نطاق واسع, بحسب بلومبيرغ.

أبرز الشركات الفاعلة في مجال تكنولوجيا الاندماج النووي

في البداية، كان تطوير تقنيات الاندماج محصورًا في برامج بحثية ممولة من القطاع العام لكن القطاع الخاص أصبح يلعب دورًا متزايد الأهمية في السنوات الأخيرة.

اليوم يضم القطاع أكثر من 50 شركة ناشئة تعمل على تطوير تقنيات الاندماج حول العالم، بحسب بيانات جمعية صناعة الاندماج، منها 29 شركة في الولايات المتحدة، و12 في أوروبا، وثلاث شركات في الصين. وحتى تموز/ يوليو 2025، تمكنت هذه الشركات من جمع تمويلات تصل إلى نحو 9.8 مليار دولار، وهو أكثر من ضعف ما جمعته قبل ثلاث سنوات فقط، ويستثمر في هذه الشركات عدد من أبرز مليارديرات التكنولوجيا مثل جيف بيزوس، مؤسس أمازون، وبيل غيتس، مؤسس مايكروسوفت.

وتستحوذ شركة Commonwealth Fusion Systems، التي نشأت من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، على نحو ثلث الاستثمارات الموجهة لصناعة الاندماج، حيث جمعت حوالي 3 مليارات دولار من مستثمرين من بينهم ذراع الاستثمار التابع لشركة انفيديا، مما يجعلها واحدة من اللاعبين الرئيسيين في هذا القطاع الواعد.

تعمل شركة Commonwealth Fusion Systems على بناء نظام تجريبي يهدف لإنتاج طاقة صافية من هذا المفاعل بحلول عام 2027، كما تطور محطة كهرباء بقدرة 400 ميغاواط في ولاية فيرجينيا، حيث يزداد الطلب على الكهرباء نتيجة توسع مراكز البيانات.

وفي خطوة تعكس ثقة بعض شركات التكنولوجيا الكبرى بمستقبل الاندماج، أبرمت هذه الشركات اتفاقيات لشراء الكهرباء من مطوري تكنولوجيا الاندماج، رغم أن هذه الشركات الناشئة لا تزال بعيدة عن القدرة على تزويد الشبكة على نطاق واسع.

ففي 2023 وافقت شركة مايكروسوفت على شراء جزء من الطاقة المتوقع إنتاجها من محطة اندماجية مخطط لها لشركة Helion Energy المدعومة من سام ألتمان مؤسس OpenAI، بينما اتفقت شركة جوجل في حزيران/يونيو على شراء نصف الإنتاج المتوقع من مشروع Commonwealth في فيرجينيا، الذي من المتوقع أن يبدأ بتزويد الشبكة بالكهرباء في أوائل عقد الثلاثينيات, وفقا لبلومبيرغ.

الجهود الحكومية لتعزيز تكنولوجيا الاندماج النووي

تسعى إدارة ترامب إلى توسيع دعم مشاريع الاندماج النووي في إطار سياستها التي تسعى للحد من الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة التقليدية. وصرح وزير الطاقة الأميركي كريس رايت، بأن إنتاج الكهرباء التجارية من الاندماج قد يصبح ممكنًا خلال فترة لا تتجاوز ثماني سنوات، كما قامت الوزارة بإنشاء مكتب جديد مخصص لتقنيات الاندماج في نوفمبر لتعزيز هذه الجهود وتنسيق المبادرات المتعلقة بالمشروع.

وفي الوقت ذاته، عززت الصين من طموحاتها في مجال الاندماج النووي، حيث أعلنت الشركة الوطنية النووية الصينية، المملوكة للدولة، عن خططها لبدء التشغيل التجاري لأول مشروع لتوليد الطاقة من الاندماج بحلول عام 2050، ضمن رؤية استراتيجية طويلة المدى لتقليل الانبعاثات وتعزيز استقلالها الطاقوي.

ويشكل مشروع ITER الدولي في جنوب فرنسا أحد أبرز الجهود متعددة الأطراف، إذ يشارك فيه أكثر من 30 دولة من بينها الولايات المتحدة، والصين، ودول الاتحاد الأوروبي، وروسيا، بهدف بناء أكبر تجربة اندماج في العالم. وتهدف هذه المبادرة إلى إثبات جدوى الطاقة الاندماجية كمصدر واسع النطاق للكهرباء، قادر على تلبية الطلب العالمي مع الالتزام الكامل بخلوه من الانبعاثات الكربونية.

بدأت أعمال البناء لمفاعل ITER الضخم في عام 2010، لكنه واجه سلسلة من التأخيرات والمشكلات المالية، حيث من المتوقع أن تصل تكلفة المشروع الإجمالية إلى نحو 25 مليار دولار، ومن المخطط أن يكون التشغيل الكامل جاهزًا بحلول عام 2039.

يعتمد مشروع ITER إلى جانب العديد من الشركات الرائدة في مجال الاندماج على تصميم يُعرف باسم التوكاماك، الذي يعود أصله إلى الحقبة السوفيتية. ويقوم هذا التصميم على ترتيب الليزرات والمغناطيسات القوية حول حجرة دائرية الشكل، بهدف احتواء البلازما فائقة الحرارة والحفاظ على استقرارها داخل المفاعل لإتمام التفاعلات الاندماجية بشكل آمن وفعالا, بحسب بلومبيرغ.

التقنيات الرئيسية للاندماج النووي

برزت تقنيتان أساسيتان في مجال الاندماج، على الرغم من أن بعض الشركات الناشئة تعمل على تطوير حلول هجينة تجمع بينهما.

والأكثر شيوعًا هو الاحتواء المغناطيسي، حيث يتم تسخين وقود الاندماج إلى مئات الملايين من الدرجات المئوية حتى يتحول إلى حالة البلازما، ثم تُحاصر هذه البلازما بواسطة مغناطيسات قوية للحفاظ على استمرارية التفاعل الاندماجي. من الناحية النظرية، إذا أمكن الحفاظ على البلازما في حالة مستقرة لفترات طويلة، فقد يصبح من الممكن إنتاج الطاقة بشكل مستمر لعقود. وتستخدم معظم المشاريع الحالية تصميم التوكاماك أو نسخته الملتوية المعروفة باسم ستيلاراتور.

ومع ذلك، لم ينجح أي مشروع قائم على الاحتواء المغناطيسي حتى الآن في تحقيق مكاسب صافية للطاقة، كما تواجه الفرق العلمية تحديات كبيرة في تطوير مواد تستطيع تحمل درجات الحرارة الفائقة والتعرض المستمر لجسيمات البلازما عالية الطاقة.

وتعتمد التقنية البديلة الأساسية في مجال الاندماج على الاحتواء بالقصور الذاتي، وهي الطريقة التي استُخدمت في مختبر لورانس ليفرمور للوصول إلى مرحلة الاشتعال، حيث يتم قصف حبيبات الهيدروجين بحزم ليزرية عالية الكثافة لتدمج نظائر الهيدروجين، مثل الديوتيريوم والتريتيوم، لتكوين ذرات هيليوم وإطلاق الطاقة.

لكي تكون هذه التقنية قادرة على تزويد الشبكة الكهربائية بالطاقة على نطاق واسع، يجب تكرار هذه العملية بوتيرة عالية جدًا وبشكل مستمر، وهو ما يمثل تحديًا كبيرًا على صعيد الإنتاجية والموثوقية. كما أن حبيبات الوقود المستخدمة باهظة الثمن وتتطلب وقتًا طويلًا لتصنيعها بكميات كبيرة.

ويبحث بعض مطوري الاندماج عن بدائل أكثر استدامة للوقود التقليدي، فالديوتيريوم متوفر بكثرة في مياه البحر، بينما التريتيوم نادر ومشع. على سبيل المثال، تعمل شركة TAE Technologies على تطوير نظام يستخدم الهيدروجين-البورون كوقود، الذي يتميز بسهولة الحصول عليه نسبيًا وخلوه من الإشعاع، مما يجعله خيارًا أكثر أمانًا وملاءمة للاستخدام التجاري المستقبلي, بحسب ما ذكرت بلومبيرغ.