Contact Us
Ektisadi.com
اقتصاد

إنفاق دفاعي يتجاوز 500 مليار دولار يحوّل ألمانيا إلى مصنع سلاح

مركبات عسكرية (Ai)

تشهد ألمانيا تحوّلًا صناعيًا واسعًا وغير مسبوق، حيث تتجه شركات من قطاعات مدنية تقليدية إلى التصنيع العسكري بوتيرة متسارعة، مع إعادة تهيئة مصانع عربات القطارات لإنتاج مركبات عسكرية، ودخول مورّدي السيارات في شراكات مع شركات دفاع، وارتفاع الطلب بشكل لافت على الجنود السابقين في سوق العمل.

ويأتي هذا التحول في وقت تعهّدت فيه برلين بإنفاق أكثر من نصف تريليون دولار على الدفاع خلال العقد المقبل، في محاولة لمواجهة التباطؤ الاقتصادي المستمر وتراجع الصادرات إلى كل من الولايات المتحدة والصين، بحسب تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال.

وتشير البيانات إلى أن عضوية الاتحاد التجاري الرئيسي لصناعة الدفاع في ألمانيا تضاعفت تقريبًا خلال عام واحد، مع انضمام عدد كبير من الشركات القادمة من قطاعات مدنية، وعلى رأسها قطاع السيارات، وفق ما نقله التقرير عن متحدث باسم الجمعية في برلين.

حتى شركات بعيدة تقليديًا عن المجال العسكري بدأت تغيّر بوصلتها. فشركة goodBytz في هامبورغ، التي تأسست عام 2021 لإنتاج مطابخ آلية، دخلت قطاع الدفاع بعد أن زوّدت الجيش الأميركي في كوريا الجنوبية بمطبخ روبوتي ذاتي التشغيل، وتناقش حاليًا عقودًا محتملة مع دول حلف شمال الأطلسي، مع توقّع أن يشكّل الدفاع نحو ثلث إيراداتها المستقبلية، بحسب ما أوردته وول ستريت جورنال.

ويمنح هذا التحوّل مزايا واضحة، أبرزها التدفّق الكبير للأموال الحكومية والحماية من المنافسة الصينية منخفضة التكلفة. وفي ظل تصاعد التوتر مع روسيا وتدهور العلاقات مع الصين، تخطط ألمانيا لزيادة إنفاقها العسكري إلى نحو 180 مليار دولار سنويًا بحلول عام 2029، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف المستويات الحالية.

وقد بدأت آثار هذا الإنفاق تظهر في الأرقام، إذ سجّل الإنتاج الصناعي الألماني في تشرين الأول/أكتوبر مكاسب ملحوظة في القطاعات المرتبطة بالدفاع، ما عوّض تراجع قطاعات تقليدية مثل السيارات والكيماويات، وفق اقتصاديين نقلت عنهم وول ستريت جورنال.

ويُنظر إلى هذا التحول على أنه طوق نجاة لقطاع التصنيع الألماني، الذي انكمش على مدى سبع سنوات متتالية تحت ضغط أسعار الطاقة المرتفعة، والمنافسة الصينية، والرسوم الجمركية الأميركية. ويأمل اقتصاديون أن يساهم جزء من الإنفاق الدفاعي في دعم البحث والتطوير ورفع الإنتاجية، على غرار الدور الذي لعبه الإنفاق الحكومي الأميركي في نشوء وادي السيليكون.

لكن لهذا المسار سلبياته أيضًا. ففرص التصدير في قطاع الدفاع تبقى محدودة، كما أن الأسلحة لا تعود بفائدة اقتصادية واسعة النطاق مقارنة بالاستثمار في البنية التحتية أو المعدات الصناعية، فضلًا عن ضعف الإنتاجية في بعض أجزاء القطاع.

وفي مدينة هايدلبرغ، يعمل مسؤولو شركة Heidelberger Druckmaschinen على استيعاب مئات المهندسين عبر تأسيس نشاط دفاعي جديد يركّز على المركبات الأرضية ذاتية التشغيل وأنظمة الطاقة، مع استهداف إيرادات سنوية بنحو 100 مليون يورو (117 مليون دولار). كما أعلنت الشركة نيتها دراسة شراكة مع شركة Ondas Holdings الأميركية لإنتاج أنظمة دفاع ضد الطائرات المسيّرة في أوروبا.

وتسهم الطفرة الدفاعية جزئيًا في تعويض خسائر الوظائف في قطاع السيارات، التي بلغت نحو 112 ألف وظيفة منذ عام 2019. ووقّعت شركات صناعية كبرى اتفاقات لإنتاج ما بين 10 آلاف و20 ألف طائرة مسيّرة سنويًا، مع قدرة توسّع طارئة تصل إلى 100 ألف طائرة في حالات الأزمات.

ورغم الإرث الألماني الحذر تجاه التسلح بعد الحرب العالمية الثانية، باتت غالبية الألمان تؤيد زيادة الإنفاق العسكري، حتى مع وجود مخاوف من أن يجعل ذلك البلاد هدفًا محتملًا. ويرى باحثون أن ما يجري اليوم يمثل عودة جزئية إلى الجذور التاريخية للتصنيع الألماني المرتبط بصناعة السلاح منذ القرن التاسع عشر، وإن كان قطاع الدفاع لا يزال أصغر بكثير من صناعة السيارات، التي توظّف نحو 800 ألف شخص مقابل قرابة 120 ألفًا فقط في الصناعات الدفاعية.

سعر الصرف: 1 يورو ≈ 1.17 دولار أميركي