كوميديا على حافة الخطر: كيف يزدهر الستاند-أب في قبضة الرقابة الصينية

رسم لستاند أب كوميدي ( انترنت)
تكشف وكالة بلومبيرغ في تقرير موسّع عن الطفرة الكبيرة التي يشهدها مشهد الستاند-أب في الصين، حيث يعيش الكوميدي داي وي أحد أكثر مواسمه ازدحامًا بالأعمال. ففي عطلة أسبوع واحدة قدّم ستة عروض في شينزين قبل أن ينتقل إلى شنغهاي للمشاركة في برنامج المواهب “ملك الستاند-أب كوميدي” الذي تنتجه منصة iQiyi، وهو برنامج حصد منذ انطلاقه عام 2024 عشرات مليارات المشاهدات، وفق ما يورده تقرير بلومبيرغ.
على خشبة المسرح في شنغهاي، بدا داي وي هادئًا وهو يمزح بصوت منخفض عن رغبته بأن تهرب ابنته ذات الأعوام الستة من مستقبل «تُطهى وتُغسل فيه لشريك غبي»، فاشتعل الجمهور ومعظمه نساء شابات ضحكًا وتصفيقًا، في لحظة تعكس تنامي جاذبية هذا الفن في بلد يخضع لرقابة سياسية صارمة. ووفق بلومبيرغ، باتت عروض الستاند-أب ثاني أكثر العروض المسرحية حضورًا بعد المسرح التقليدي، مدفوعةً بالانتشار الفيروسي للبرامج الكوميدية على الإنترنت.
ورغم أن الرقابة الحزبية تمنع أي تلميح إلى السياسة المحلية، إلا أن الحياة اليومية للصينيين تقدّم مادة واسعة للسخرية: خسائر البورصة، ضغط ساعات العمل القاسية، هاجس الزواج والإنجاب، والرغبة في “الاستلقاء” بعيدًا عن سباق الحياة. وتضيف بلومبيرغ أن دونالد ترامب يحظى بنصيبه من النكات، بصفته رئيسًا «مجنونًا» و«غير منطقي» يغرد أكثر مما ينبغي.
لكن هذه الطفرة ليست مجرد تسلية؛ فهي متنفس لجمهور شاب يعاني قلقًا اقتصاديًا وضغطًا اجتماعيًا، كما تعتبرها الحكومة بحسب تحليل بلومبيرغ أداة لقياس المزاج العام وتخفيف الاحتقان. أما بالنسبة للكوميديين الذين يلتزمون خطوط الرقابة، فهي فرصة واسعة للشهرة والربح.
غير أن هذه الشهرة مشروطة بثمن واضح. تخبر بلومبيرغ أن النوادي الكوميدية في الصين مضطرة إلى تقديم النصوص للسلطات قبل العرض بمدة قد تصل إلى شهر، وأن تجنّب السياسة والابتذال والمواضيع الحساسة يحتاج خبرة طويلة. ويعلّق زي-لونغ فِينغ، الذي أدار عروض “هاردكور كوميدي” في شينزين وبكين، بأن الكوميديين الأجانب «لن ينجوا» في هذا النظام، مضيفًا: «ديف شابيل سيجوع حتى الموت». ويشبّه الأمر بوضع مطوّري الذكاء الاصطناعي الصينيين الذين يعملون بشرائح أقل قوة: «قد تكون رقاقاتنا ضعيفة، لكننا طوّرنا مهارات أفضل ضمن القيود».
وتشير بلومبيرغ إلى أنّ الستاند-أب في الصين كان ظاهرة محدودة قبل أواخر العقد الماضي، لكنه انفجر شعبيًا مع برنامج “Rock & Roast” الذي قدّم عشرات الكوميديين للجمهور ودفع ببعضهم إلى نجومية وطنية وظهور في أفلام وبرامج كبرى مثل حفل رأس السنة الشهير. ووفق أرقام أوردتها بلومبيرغ عن تقرير صادر عن Tencent وشركة Xiaoguo، ارتفع عدد العاملين في صناعة الكوميديا من أقل من 100 في 2016 إلى أكثر من 10 آلاف في 2021، فيما وصلت إيرادات التذاكر في النصف الأول من 2025 إلى 860 مليون يوان أي أكثر من ضعف إيرادات 2021 بأكمله.
لكن الطريق لم يكن خاليًا من العثرات. ففي 2020، تشير بلومبيرغ إلى اعتقال نجم Xiaoguo، كامو، بسبب تعاطي الماريجوانا، ما أدى إلى موجة تشديد على القطاع وتعهدات من وزارة الثقافة بتعزيز الرقابة. وفي 2022 وقّعت كبرى النوادي الكوميدية تحت إشراف جمعية الفنون المسرحية بيانًا يؤكد الالتزام بـ“القيم الاشتراكية الأساسية”.
غير أن الضربة الأقسى جاءت في مايو 2023، عندما استخدم الكوميدي لي هاوشي خارج النص المصدق شعارًا مشهورًا عن جيش التحرير لوصف كلبين يطاردان سنجابًا. وقد أثارت النكتة، وفق رواية بلومبيرغ، غضبًا وطنيًا واسعًا بعدما اتُّهِم بإهانة الجيش، لتعلق العروض الكوميدية في البلاد ويُغرّم نادي Xiaoguo بمليوني دولار، ويلغى موسم برنامج “Rock & Roast” بالكامل. ومع استئناف بعض العروض بعد أسابيع، عاد كثير من الكوميديين إلى المنصات بخوف مضاعف من أي انزلاق لفظي قد يفجر أزمة جديدة.
وفي النهاية، يبرز تقرير بلومبيرغ أنّ الكوميديا في الصين تزدهر داخل مساحة ضيقة، لكنها رغم القيود الثقيلة تحوّلت إلى صناعة ضخمة ورافعة اجتماعية، بقدر ما هي مسرح للضحك، هي أيضًا ساحة تُختبر فيها حدود الحرية والخيال.
