روسيا تفرض تفوّقها في معركة المسيّرات

أصبح الطريق الخلفي الذي كان يُعد آمناً قبل أشهر قليلة ساحة تهديد مباشر، بعدما تحوّلت المسيّرات الروسية إلى السلاح الأكثر حسماً في الحرب الدائرة. ففي تقرير موسّع نشرته صحيفة وول ستريت جورنال، روت الصحيفة حادثة استهداف مركبة تقلّ أربعة جنود أوكرانيين على بُعد أكثر من 20 ميلاً خلف الخطوط الأمامية، حين انفجرت مسيّرة روسية خلفهم لتُمزق مؤخرة المركبة قبل أن تُجهز أخرى من طراز “ملنيا” على السيارة بالكامل. واعتبرت الصحيفة أن نجاتهم كانت “ضربة حظ نادرة” بحسب شهادة الضابط ستانيسلاف ديركاتش.
ووفق تحليل وول ستريت جورنال، فإن ما يحدث على جبهة المسيّرات يمثل التحوّل الأهم في حرب عام 2025، إذ أصبح تهديد الطائرات الروسية يتجاوز المكاسب الميدانية البطيئة التي تحققها قوات موسكو. فالتقدّم الروسي في تقنيات الاستهداف وتوسّع هجماته على خطوط الإمداد الأوكرانية يضغطان على كييف عسكرياً وسياسياً وربما يُضعفان قدرتها على التفاوض، خصوصاً في ظل ضغوط داخل الإدارة الأميركية الحالية لدفع أوكرانيا نحو تسوية تُرضي موسكو.
وتشير الصحيفة إلى أن أوكرانيا التي قادت مشهد الابتكار في مجال المسيّرات طوال السنوات الماضية، بدأت تفقد هذا التفوق لصالح روسيا التي كثّفت تطويرها للمسيّرات الصغيرة والمتوسطة المدى، واستنسخت استخدام المسيّرات الانتحارية من نوع FPV التي اشتهرت بها كييف. وتوضح وول ستريت جورنال أن موازين التفوّق التكتيكي تغيّرت هذا الخريف، بعدما باتت المسيّرات الروسية تفوق نظيراتها الأوكرانية عدداً وتأثيراً في قطاعات متعددة من الجبهة.
وتضيف الصحيفة أن وحدة روسية جديدة تُعرف باسم “روبيكون” كانت وراء التحوّل الكبير، إذ جمعت نخبة الطيارين الروس وطوّرت أساليب هجوم تعتمد على مسيّرات موصولة بالألياف البصرية يصعب التشويش عليها، ما أدى إلى انهيار اللوجستيات الأوكرانية خلال معارك منطقة كورسك العام الماضي. ووفق وول ستريت جورنال، فقد توسّعت هذه الوحدة ونقلت أساليبها إلى جبهات الشرق، مستهدفةً بشكل أساسي خطوط الإمداد ومشغّلي المسيّرات الأوكرانيين.
وتشير تقديرات نقلتها الصحيفة عن خبراء عسكريين، مثل كونراد موزيكا وروب لي، إلى أن أوكرانيا تعاني اليوم نقصاً في القوى البشرية والقدرات الهجومية العميقة، إذ باتت مسيّراتها تضطر للإقلاع من مسافات أبعد، وتراجع قدرتها على استهداف العمق الروسي. في المقابل، تُنفّذ المسيّرات الروسية ضربات على بُعد 40 إلى 70 كيلومتراً خلف الجبهة، وهي مسافات كانت سابقاً لا تُخترق إلا عبر الطائرات المأهولة.
مدينة بوكروفسك في دونيتسك تمثل المثال الأوضح على هذا التحوّل، إذ تنقل وول ستريت جورنال عن مقاتلين أوكرانيين أن المسيّرات الروسية في تلك المنطقة تفوق المسيّرات الأوكرانية بنسبة تصل إلى 10 مقابل 1، فيما تتحول خطوط الإمداد إلى “ممرات موت” تتعرض للاستهداف قبل وصولها إلى المدينة المحاصرة.
وفي خلاصة التقرير، تؤكد الصحيفة أن “فكرة الخلفية الآمنة” تتلاشى بالنسبة للأوكرانيين، وأن استمرار هذا التفوق الروسي في عالم المسيّرات قد يهدد قدرة كييف على الصمود في عام 2026 ما لم تستطع استعادة المبادرة في هذا المجال.
