Contact Us
Ektisadi.com
طاقة

بعد 9 دقائق فقط من المداولات… أوبك+ تزيد إنتاج النفط 137 ألف برميل يومياً

.

أوبك+ تعلن زيادة إنتاجها النفطي

في مشهد يعكس التوازنات الدقيقة التي تحكم أسواق النفط العالمية، وافقت مجموعة أوبك+ على زيادة متواضعة في الإنتاج بلغت 137 ألف برميل يومياً لشهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، في قرار جاء بعد 9 دقائق فقط من المداولات، لكنه يحمل في طياته دلالات عميقة على التحولات الاستراتيجية الجارية في مشهد الطاقة العالمي.

جاء هذا القرار اليوم الأحد، بعد أن تمكن القائدان التاريخيان للمجموعة، السعودية وروسيا، من تجاوز خلافاتهما الاستراتيجية العميقة. فمن جهة، ظلت روسيا متمسكة بموقفها الحذر، حيث فضلت السير على خطى التحفظ في زيادة الإمدادات، ساعية للحفاظ على الأسعار عند مستويات مجزية تحقق التوازن في موازنتها الوطنية، بينما انحازت السعودية إلى رؤية أكثر توسعاً، مع تركيز واضح على استعادة حصص السوق المفقودة، في استراتيجية تعكس رؤية جديدة لاقتصاد ما بعد النفط.

وكانت أسواق النفط قد شهدت تداولات هامشية يوم الجمعة قرب أدنى مستوياتها منذ أربعة أشهر، في مؤشر واضح على حالة التردد التي تسيطر على المتعاملين. هذا المشهد يذكرنا بالمعادلة الصعبة التي تتعامل معها أوبك وحلفاؤها عند محاولة إعادة الإمدادات إلى سوق يعاني أساساً من بوادر فائض. فمن ناحية، هناك حاجة ملحة للحفاظ على استقرار الأسواق، ومن ناحية أخرى، هناك ضرورة للاستجابة لمتطلبات النمو الاقتصادي العالمي.

وكانت المجموعة قد فاجأت الأسواق في أبريل الماضي، عندما أعلنت عن عودة البراميل بوتيرة أسرع مما كان متوقعاً، في سوق كان المحللون يرون أنه يتجه نحو منطقة الفائض. وشملت تلك الخطة الطموحة دفعتين رئيسيتين: الأولى بلغت 2.2 مليون برميل يومياً، والثانية حوالي 1.65 مليون برميل يومياً إجمالاً، لكن بوتيرة أبطأ هذه المرة.

وعلى الرغم من الصمود النسبي للأسعار أمام الإمدادات التي تمت إضافتها حتى الآن، إلا أن هناك علامات واضحة على بداية تحول في السوق. فالشحنات غير المباعة تتراكم من منطقة الشرق الأوسط، كما يظهر منحنى العقود الآجلة علامات ضعف في الأجل القصير. وتذهب توقعات الوكالة الدولية للطاقة إلى أن المخزونات ستتراكم بسرعة خلال هذا الربع، مع توقعات بظهور فائض قياسي في 2026، مدفوعاً بتباطؤ الطلب العالمي من ناحية، ووفرة الإمدادات القادمة من الأمريكتين من ناحية أخرى.

وبرغم كل هذه المؤشرات، فإن موضوع الفائض لم يُناقش في اجتماع الأحد وفقاً لمصدرين مطلعين. وهذا يعكس الفجوة التحليلية بين رؤية أوبك وتوقعات الوكالة الدولية للطاقة، حيث تقدم المنظمة تحليلاً أقل تشاؤماً لمستقبل سوق النفط العالمي.

ولعل الأكثر إثارة للاهتمام هو أن الاجتماع لم يستغرق سوى 9 دقائق، تماماً كما كان الحال الشهر الماضي. هذه السرعة غير المعتادة تشير إلى حجم العمل الجبار الذي يتم خلف الكواليس قبل بدء المباحثات الرسمية. فالمفاوضات الحقيقية تتم في الغرف المغلقة، بينما يأتي الاجتماع الرسمي ليضع الختم الأخير على ما تم الاتفاق عليه مسبقاً.

وكانت بلومبرغ قد أفادت يوم الجمعة بأن الخيارات المطروحة كانت متعددة، حيث شملت زيادة الإنتاج بمقدار 137 ألف برميل يومياً - وهو الخيار الذي تم اعتماده في النهاية - إلى جانب خيارات أخرى كانت تتمثل في مضاعفة هذا الرقم مرتين أو ثلاث مرات.

وتحملت السعودية، التي كانت تتحمل العبء الأكبر من خفض الإنتاج الذي يتم التراجع عنه الآن، دور القيادة في تغيير استراتيجية المجموعة. فانتقلت من سياسة الدفاع عن الأسعار إلى سياسة الهجوم لاستعادة حصص السوق. وهذا التحول الاستراتيجي لم يأت من فراغ، بل جاء نتيجة قراءة متعمقة للمتغيرات الهيكلية في أسواق الطاقة العالمية.

ويأتي قرار الأحد في توقيت بالغ الحساسية، قبل زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى واشنطن الشهر المقبل للقاء الرئيس الأمريكي، الذي دعا مراراً إلى خفض أسعار النفط. هذه الزيارة تحمل أبعاداً اقتصادية وسياسية متشابكة، حيث ستشكل بلا شك محطة جديدة في العلاقات الثنائية بين البلدين.

كما أن سلسلة زيادات الإنتاج كشفت عن محدودية القدرة الفائضة المتاحة فعلياً عبر تحالف أوبك+. فقد استعاد الأعضاء الرئيسيون الثمانية نحو 60% فقط من دفعة الإمدادات البالغة 2.2 مليون برميل يومياً المقررة بين مايو وسبتمبر. ويعزو المحللون هذا القصور إلى عاملين رئيسيين: الأول تعويض بعض الدول عن الإنتاج المفرط السابق، والثاني يشير إلى أن بعض الأعضاء ربما يكونون يضخون تقريباً عند أقصى طاقاتهم الإنتاجية.

هذا الواقع الجديد يطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة المجموعة على الاستجابة للصدمات المستقبلية. ففي عالم تتزايد فيه عدم اليقينيات الجيوسياسية، وتتصاعد فيه حدة التقلبات في الأسواق، تصبح القدرة على ضخ إضافات طارئة من النفط سلعة نادرة.

المستقبل يحمل في طياته تحولات أكثر عمقاً. فبحلول 2026، تتوقع الوكالة الدولية للطاقة ظهور فائض قياسي، مع تباطؤ الطلب العالمي من ناحية، ووفرة الإمدادات من ناحية أخرى. هذه المعادلة تضع أوبك+ أمام تحديات وجودية، خاصة مع تسارع وتيرة التحول نحو الطاقة المتجددة، وتطور التقنيات البديلة، وتغير أنماط الاستهلاك العالمي.

إن قرار نوفمبر 2025، رغم تواضع حجمه، يمثل نافذة نطل من خلالها على مستقبل أسواق الطاقة. فهو يعكس من ناحية استمرار التعاون بين المنتجين رغم الخلافات، ويظهر من ناحية أخرى المرونة في مواجهة التحديات، كما يجسد رؤية استراتيجية طويلة المدى تحاول الموازنة بين المصالح الوطنية والمصلحة الجماعية.

سيظل هذا القرار محل دراسة وتحليل لسنوات قادمة، كمثال على كيفية تعامل التحالفات الدولية مع التحولات التاريخية في أسواق الطاقة العالمية. ففي 9 دقائق فقط، تم اتخاذ قرار سيشكل شهور الطاقة العالمية للأشهر القادمة، وربما لسنوات قادمة.

إن مشهد الطاقة العالمي يقف عند مفترق طرق تاريخي، حيث تتصاعد المنافسة من الإنتاج الأمريكي، وتتسارع وتيرة التحول نحو الطاقة النظيفة، وتتطور التقنيات البديلة. في هذا المشهد المعقد، تبرز أوبك+ كقائد أوركسترا يحاول قيادة لحن موسيقى الطاقة العالمية في ظل تحولات جذرية تشهدها الأسواق.

إن زيادة الـ 137 ألف برميل يومياً ليست مجرد رقم تقني، بل هي رسالة سياسية واقتصادية موجهة إلى جميع الأطراف الفاعلة في سوق النفط. إنها تقول: إن أوبك+ ما زالت قادرة على إدارة الأسواق، وما زالت تملك الأدوات والرؤية للتعامل مع المتغيرات، وما زالت تمثل القوة الضابطة لأسواق الطاقة العالمية.

وفي الختام، فإن قرار أوبك+ يمثل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار في أسواق النفط. وهو يجسد الرؤية الاستراتيجية التي تمكنت من خلالها المجموعة من تجاوز الخلافات، والوصول إلى قرار يوازن بين مصالح جميع الأطراف، ويحافظ على استقرار الأسواق في الأجل القريب، مع الحفاظ على مصالح الدول المنتجة في الأجل الطويل.